إن موضوع العلاقة بين الرجل والمرأة كان الشغل الشاغل لدى الناس عامة والفلاسفة خاصة، وقد تحدث عن هذه العلاقة أفلاطون قديماً إلى جانب جان جاك روسو وحتى فرويد الذي اعترف بعدم فهمه لعلاقة الرجل بالمرأة بسبب غموض المرأة الذي أدى إلى ابتعاد الرجل عنها والتنقل من واحدة إلى أخرى لمحاولة حل هذا الغموض الذي يحيط بها.
وقد ساعده على ذلك المجتمع الذكوري والنظام الأبوي كما يقول أحد الباحثين الاجتماعيين الذي يضيف: إن هذا النظام لم يتقبل حتى وجود أصدقاء للمرأة، وقد عمل على ترسيخه الرجل الشرقي الذي لم يكتف بامرأة واحدة، وظهر ذلك من خلال العديد من الروايات التي تعمل على خلق صورة ذهنية تصور فيها الرجل على أنه ذلك البطل الشرقي الذي يصارع الأشرار وحوله الجواري والنساء ولعل أشهرهم الزير سالم الذي يقابله في الغرب (كازانوفا) عاشق النساء الذي شاعت صورته النمطية وغدا مضرب الأمثال وحديث الأجيال المتعاقبة..
من هو كازانوفا؟
الملامح الأساسية لشخصية كازانوفا يمكن التعرف عليها من خلال كتاب «حكاية حياتي» الذي صدر للمرة الأولى عام 1823 أي بعد ربع قرن تقريباً من موت كازانوفا وقيل إن كازانوفا كتبه خلال السنوات الأخيرة من حياته، وقيل أيضا أن مؤلفه الحقيقي هو ستاندال الكاتب الفرنسي الذي لم يكف عن إبداء إعجابه بشخصية هذا العاشق الإيطالي الشهير، وقيل أيضاً إن ثمة مخطوطا للكتاب وجد في قصر في لايبزغ أجمع الباحثون على أنه من كتابة كازانوفا نفسهِ في كل الأحوال فان كتاب «حكاية حياتي» يروي لنا جانباً من فترة الطفولة قبل أن يصبح بطلنا في الثامنة من عمره حينما بدا يراقب الناس ويرصد أحوال المجتمع من حوله بفضول شديد ومع الأيام يبدأ في البحث عن دور له وترسله جدته التي كانت تتولى أمر تربيته، وقد أضحى في سن المراهقة، إلى بادوفا ليدرس، وهناك يلتقي حبه الأول الحسناء باتينا التي ما أن يهيم بها حتى يكتشف أن لديه غريماً تفضله عليه فلا يكون منه إلا أن يوحي إلى الناس أن الفتاة ممسوسة، وهكذا يبتعد الغريم لتكون أول مغامرة نسائية حقيقية في حياته، وكانت هذه المغامرة بمنزلة بداية لسلسة طويلة من المغامرات. ومن المغامرات التي تروى في الكتاب بعد تلك المغامرات التي وضعت بطلنا في موضع الخطر، كما في موضع لوم المجتمع وانتقاده. لكن كازانوفا وهو يروي حكايته يؤكد أن هذه المغامرات قد أعطته حريته وان تلك الحرية التي استقاها من الحدود القصوى للمغامرة كانت هي ما مكّنه من أن يتعامل مع المجتمع بحرية والنظر إليه دائما بتهكم وسخرية. وقد عاش كازانوفا متنقلا بين عواصم أوروبا وقصور سادتها الكبار بعدما عاش أولا متنقلا بين المدن الايطالية ثم الفرنسية واستطاع أن يرصد المجتمعات وأهلها وإذا اضطر إلى الحديث عن عيوبه ومساوئه الشخصية كان نصيرا حقيقيا للصدق وميالا بشكل حقيقي إلى مناصرة الجمال والطيبة وفي حكايته الطويلة يروي لنا كازانوفا أو من ينوب عنه في الرواية مؤامرات القصور ومناورات الكواليس وطموحات الرجال وغرور النساء في النصف الثاني من القرن الثامن عشر في أوروبا..
ماذا لو قلبنا كل هذا الكلام
وماذا لو كان كازانوفا امرأة..!!
هل سيتقبل المجتمع هذه المرأة (بغض النظر عن كونه شرقياً أم غربياً).. أم.. سيحاربها وينعتها بأقسى العبارات؟
إن الجواب على هذا السؤال واضح بسبب المجتمع الذكوري الذي نعيشه والذي يفرض سلطته على المرأة في كل شيء تريد القيام به ولعل هذا كان من أحد أسباب الكبت الاجتماعي والثقافي الذي تعيشه المرأة والذي وضعها أيضاً في عزلة عن المجتمع الذي تعيش فيه ما خلق لديها ردود فعل تحاكي أسلوب كازانوفا في حياته.. فبعضهن يفضلن تعدد التجارب لكي يستطعن اختيار الشخص الذي يردن الاستمرار معه.. في حين يرى البعض الآخر أنه من الضروري اختيار أحد الأشخاص ووضع الآخر في موضع (الاحتياط) للتأمين على مستقبلهن وحياتهن في وقت لا يأمن فيه الفرد على نفسه في ظل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتردية لكن والأسوأ من هذا كله عندما يتحول هذا الأمر إلى مهنة تكسب منه الفتاة لقمة عيشها وعندما يتحول جسد الفتاة إلى مادة للاستثمار وإلى وسيلة لتشجيع السياحة في بلادنا كتصور مسبق يخلق لدى السائح الرغبة في زيارة هذه البلاد.. وهذا الأمر ليس بظاهرة لأن الظاهرة تنتهي.. بل هي عبارة عن نتاج طبيعي للحياة والظروف الجديدة التي نعيشها والتي تشكلت من تراكمات العصور التي سبقتها..
منقول عن صحيفة الوطن