التشوشية الثانية : الغسَّالة
أطلَّت بسلامتها عليَّ منذ الصباح الباكر وأنا خارج من الحمَّام بعدما حلقْتُ ذقني استعداداً للذهاب إلى عملي، وتفاجأْتُ بِها تتثاءبُ وتفتح فمها كفم فرس النهر، فابتعدْتُ من تيار الهواء الداخل إلى فمها خشيةَ أن تبتلعني ،وما إن رأتنِي حتَّى ابتسمتْ إحدى ابتساماتها الغامضة التي تباري ابتسامات الثعلب المعسولــة.
وقالت لي بصوتٍ متناعمٍ كنعومةِ الأفعى :" صباح الخير حبيبي " .
فَبُهِتُ وكأنَّني أمام وزيرٍ أو أميرٍ، فحملقْتُ فيها متعجباً لثلاثة أمورٍ:
الأول: عهدي بِها لا تستيقظ قبل الواحدة ظهراً فكيف فعلتها اليوم؟
الثاني : ابتسامتها هذه وإن كانت خبيثة مخادعة، ولكنَّني منذ أنِ انتهى شهر العسل
الذي لم أعد أذكره أبداً - لم أرها إلا عابسةً كعبوس أبي الهول، أو عبسي في مسلسل (عدنان ولينا).
الثالث: قولها لي كلمة (حبيبي) وقدْ نسيتُ كلمات الحب والحنان منها ولم أعد أذكرْ إلا كلمة (يا تنبل .. لعمى شو حوبة ) ومثل هذا ..
فقالت لي بعد دقيقةٍ: " ما بك تنظر لي كأنَّني قادمةٌ من المرِّيخ" .
هززْتُ رأسي وقلْتُ لها : " لا ... لا شيء ... كنْتُ أفكِّرُ أنَّكِ غلَّبْتِ نفسكِ لتحضير الفطور " .
فليس من عادتها أن تستيقظ باكراً لتحضير طعامي أو ثيابي من قبل فقط في شهر العسل فعلت هذا وما أقصره وبنفسي أن يجيبَني أحدكم : " ما هو شهر العسل؟ " .
قالتْ لِي ببرودٍ وقد بدأ صوتها يخشن : " فطور !! نعم .. نعم .. أتريدني أن أستيقظ لأحضِّر لكَ الفطور !! " .
قلْتُ بتردُّدٍ : " لا ... لا ... يا حياتي ... لم أقصدْ ... قصدْتُ أنَّكِ غلَّبْتِ نفسكِ بالاستيقاظ ولا أدري لماذا ؟ " .
قالت كلمة واحدةً : " الغسَّالة " ...
قفزت لذهني غسَّالة ( زيروات ) الآلية الجديدة التي اشتريناها من شهرٍ واحدٍ فقط فقلْتُ لها :
" لا مشكلة ... اليوم أتصل بجماعة الصيانة وهم يصلحونها " ...
قالت ببرودٍ أشدَّ : " أعرف فأنا لست جاهلةً " .
قلْتُ بتوجسٍ : " إذاً ما المطلوب منِّي ؟ " .
قالت : " أنت تعرف أنَّ التصليح سيستغرق أيَّاماً " .لم أردَّ بل نظرْتُ مستفهماً ..
فتابعَتْ : " وعندنا غسيلٌ كثيرٌ " .
وسكتتْ فقلْتُ : " أنتِ تعرفين أنَّنا دفعنا كل ما معنا لشراء الغسَّالة وليس معي فلوسٌ لأستأجر لكِ لفَّاية "
( اللفاية : المرأة التي تدور على البيوت لتعمل )
قالت متلكئةً : " يداي تؤلماني ... "
قلْتُ بتحدٍ : " نعم .... "
قالتْ : " خذْ إجازةً عارضةً اليوم من عملك واغسل الثياب " ....
تفجَّرتْ فيَّ كل معالم الرجولة وصحْتُ بصوتٍ كهدير الشلاَّل :
" إلى هنا ويكفي ..... لا ..... كفى ذلاً وإهانةً " ...
وهربتْ من وجهي كالفأر المذعور (جيري) يهرب من ( توم ) ...
فنفشت صدري كطرزان في الأدغال وسعدْتُ بمنظر هروبها وصرخت من فرحتي ( آآآآآآآآآآآآآآآآآآآ ) وخبطْتُ على
صدري مثل طرزان !!
واسمحوا لي بعد إذن التشاتيش
( يا هيك الرجال يا بلا ) !!!
=================================
رنَّ جرس الهاتف فكان صديقي أبو سليم يسأل عني وعن سبب عدم قدومي، هل أنا مريضٌ
كفى الله الشر ...
قالتْ حرمنا المصون وهي تدهن يديها بـ ( النيفيا ) :
" إنَّه في الشرفة ينشر الغسيل الملوَّن ... عندما يفرغ من الغسيل يكلمك " ..
تعلمون أنَّ جيري في النهاية يغلب توم ... و .....
شباب ليس عندي وقت ....
اعذروني فالماء يغلي بالغسيل الأبيض ...
عن إذنكم !!!