التشتوشية الثالثة : هواية
لكل امرئٍ منا هوايةٌ يحب قضاء وقته فيها !!
وبسلامتها كان لا بُدَّ لها من هوايةٍ ، ولأنَّها متقلبة
الأهواء فقد كان لها في كل بضعة أيامٍ هوايةٌ مختلقةٌ،
وآخر تقليعةٍ من تقليعاتها هي هوايتها الأخيرة التي
أوشكت أن تنقلني فيها للعصفورية (مشفى المجانين) ..
حدث ذلك في يوم الأربعاء – وبتُّ أشكُّ أنَّ لحرمنا
المصون (شرشاً) حمصياً فمعظم ما تجود به قريحتها
من أفكار مرعبة تكون في هذا اليوم – حيثُ عدْتُ
إلى البيت وبعد حرب المواصلات وعناء تسلق الطابق
التاسع وصلْتُ مكدوداً منهكاً ... وفتحْتُ الباب، وتفاجأْتُ
بالصمت المطبق !! بيني وبينكم توقعْتُ أنَّها قد ذهبتْ
لملاقاة أبيها .... وفرحْتُ جداً بهذا الخاطر، لكون أبيها
قد سلَّم أمانته لله رب العالمين من حوالي خمس سنوات
وذلك بسبب جبروت أمها الذي ورثته عنها ... والغريب
أنَّ أباها توفي يوم الأربعاء، فتفاءلْتُ من أنَّ هذا اليوم
هو يوم العائلة ..
ومن باب أداء الواجب صرْتُ أناديها دونما فائدةٍ تُذكر
فاطمأننْتُ – أو صُدْمتُ – بأنَّها غير موجودة إذن هي
لم تسلِّمِ الأمانة بعدُ ....
المهم وكأي إنسانٍ عاقلٍ هرعْتُ لأغتسل، ولم أجدْ أي
طعامٍ يؤكل ، فتحاملْتُ في سبيل الراحة التي أنا فيها
وقليْتُ بيضتينِ ......
بعد الغداء استسلمْتُ لنومٍ لذيذٍ، وأبى النوم أن يتمِّمَ راحتي
التي عشْتُ لحظاتها قبل النوم ، إذ بدأت الكوابيس ..
فرأيتها بسلامتها واقفة في الصالة ترفع عقيرتها بصوتٍ
كهدير (التراكتور) تنادي عليَّ ولكنَّ عقلي الباطن الذي
يصوِّر لي المنام رفض الاستجابة لها، وصارت تسير
نحو غرفة النوم تدمدمُ بقدميها الأرض وترعب الجيران
الذين تحتنا ... ورأتني متمدداً في الفراش فصاحت بي :
" واللهِ عال ... أناديك وأنت تتظاهر بالنوم ولا تردُّ عليَّ " .
وتابع عقلي الباطن تطنيشه – إعراضه – عنها فصاحت:
" قمْ من نومك يا خمخوم – كسول كثير النوم – وانظر مفاجأتي
لكَ " ...
ثمَّ رمت عليَّ شيئاً ناعماً خمشني في وجهي .... فاستيقظْتُ
مرعوباً أتمتم : " بسم الله الرحمن الرحيم .... خير ... اللهمَّ اجعله
خيراً " ...
ووجدتها جالسةً على الكنبة في غرفة النوم تقول لي :
" ما بك استيقظْتَ وأنت مخضوض – مرعوب – " .
هممْتُ أن أحكي لها ما رأيته لولا أن وجدْتُ في جحرها شيئاً
ناعماً كالفرو تمسحه بيدها فقلْتُ لها وأنا أشير له : " ما هذا ؟ " .
قالتْ : " قطة " .
قلْتُ غير مصدقٍ : " قطة !!! " .
قالت : " نعم يا حبيبي فقد قررْتُ أن أعتني بهذا المخلوق
المسكين .. " .
ردَّدْت وراءها محملقاً بها : " مسكين !! "
تابعت : " وجدته مكسور القدم عند برميل الزبالة ... "
قلْتُ مندهشاً : " زبالة !! "
تابعتْ : " المسكين كان لا يقوى على المسير وباقي القطط
تناوئه وتناوشه وهو لا حيلة له بينها فأشفقْتُ عليه منها،
فأخذته عند طبيب بيطري فعالجه، ثمَّ غسلته ونظفته " .
ران عليَّ الصمت المطلق لهول الفاجعة، وظنت حرمنا المصون
أنَّ صمتي علامة رضا حيث واصلت شرح الجوانب الإنسانية
في رعاية الحيوان، ولا أعلم من أين اتسعت ثقافتها لتسرد لي
تاريخ منظمة حقوق الحيوان .... حتَّى انفجرْتُ قائلاً :
" لا بُدَّ من وجود منظمة لحماية حقوق الأزواج المقهورين ...
لا يمكن أن أبيتَ أنا وهذا المخلوق القذر في بيتٍ واحدٍ ... " ..
***************************
قلْتُ لأبي سعيد اللحام :
" أريدُ نصف كيلو لحم ، وقليل من الجلاميط – بقايا اللحم والأمعاء – "
قال أبو سعيد : " هل تربي قطاً لتطعمه الجلاميط ؟ " .
ابتسمْتُ مقهوراً .... فاللحم لحرمنا المصون وقطها العزيز
والجلاميط لعبد الله المسحوق تحت نير الزوجات المستبدات !!