عرض المشاركة وحيدة
  #3 (permalink)  
قديم 13/06/08
صورة عضوية سامر خالد منى
سامر خالد منى سامر خالد منى غير متواجد حالياً
فارسٌ في رحلة العلم
 
تاريخ الانضمام: 16/04/06
محل السكن: لاذقي في قطر
المشاركات: 12,584

المقامة التشتوشية


حدَّثنا تشتوش بن جلموء ، وهو يئنُّ وينوء :

" السلام، على الكرام، سأقصُّ عليكم حكايتي، وأروي لكم جنايتي، فقد اكتشفتُ أنَّني حوبة، بل أكبر من حَوْبة...

تركْتُ مضارب بني تشتوش، المشهورين بأكل الفتُّوش، والبابا غنُّوج، والماما عصلوج، وقلْتُ أقصدُ أجمل مدينة في البرية، فأشار عليَّ الإخوان باللاذقية، فهي مدينة ساحلية، فيها الجبالُ الندية، والشواطئ الأريحيَّة ...

وهكذا ركبْتُ ناقتي، واتَّخذْتُ زوادتي، وجعلْتُ أغذُّ السير خَبباً، وأطلبُ البلوغَ طلياً، فلمَّا انقضتِ الأيَّامُ والليالي، وأدركني النَّصَبُ منَ الارتحالِ ... حتَّى ألفيْتُ نفسي بالقرب من أراضٍ خضراء، ثمارُها آخذةٌ بالنضارةٍ والرَّواء، فأيقنْتُ بوصولي، واقترابِ نزولي...

وتفاجأْتُ برجلٍ قصيرٍ، بوجهٍ مكيرٍ، يحملُ بيدهِ عصا ودفوف، وأومأ لي بالوقوف، ثمَّ قال:
- التحياتُ المتهادية، على ابنِ البادية..
فقلْتُ بنفسٍ رهينة، وقد رمتُ فيه الزينة: مرحباً بأخِ المدينة.

وقالَ: - خذني وإيَّاك، وقاكَ اللهُ من شرِّ ما بلاك.
فأردفْتهُ ورائي، ومضيْتُ في غنائي:

يا بني التشتوشِ عودوا *** إنَّ شوقي قد يزيدُ

فقاطعني: أنت من بني التشوش؟!
فقلْتُ: خيرُ من روَّضَ الوحوش .
فقال : نسبي لكم وبكم انتشرَ، فجدَّي العاشرُ من عندكم انحدرَ.. وتوالدنا في هذا المكان، وانتشرنا في البلدان..

فقلْتُ : من أنتَ يا مسعود؟ وكيف نسبك لنا يعودُ ؟
قال : أنا شرشبيل، بن شراحبيل، وجدِّي هو السنفور، وجدُّهُ هو الفرفور، ونسبنا من التشاتيشِ، فلكم ينحدرُ كالطرابيشِ.
فقلْتُ مبتهجاً: حيَّا الله ابن عمي، ابن أخي وابن أُمِّي..
فما زالَ يحدِّثني بنسبهِ الأصيل، وبفخرهِ العليل، حتَّى أدركنا الليل بظلامهِ، والبردُ باصطلامِهِ، فأوقدنا ناراً، والتحفْتُ إزاراً، وشوى لي لحماً، وسقاني اللبنَ رطلاً، ويدقُّ بالدفوف، ويغنِّي كصوتِ الخروف، وأقولُ لا بأسَ فهو من عشيرتي، ويجبُ أن أتحمَّلَ أهلَ ديرتي، وما زال يطعمني ويسقيني، حتَّى أدركني الوسَنُ في عيوني، فأغفوْتُ في أحلامي، وغرقْتُ في منامي..

فلمَّا كانَ الفجْرُ، انتابني الذُّعرُ، فما ألفيْتُ ناقتي، ولا خيمتي، ولا زوَّادتي، ولا ثيابي، فعلمْتُ أنَّني وقعْتُ، ومن ابنِ اللكيعةِ خُدِعْتُ، ومضيْتُ أسيرُ حتَّى أدركْتُ قوماً آخذين في الرحيل ، حكيْتُ لهم حكايتي مع شرشبيل، فضحكوا منِّي وقالوا: هذا أكبرُ نصَّاب في هذه الأرجاء، يسلبُ الناسَ مالهم بلا إبطاء...

فأنشدْتُ :


تَشْتوشُ ويحَ قومنا*** فَـشَرْشبيلُ يـــــمكرُ
أيزعمُ القرابــــــــةَ *** وهوَ الزَّنيمُ يسخرُ
تباً لمنْ يـخــــــادعُ *** يوماً لسوفَ يُذعرُ