التشتوشية السابعة : الصفعة
أجدادنا قالوا : " بعد ما شاب أخذوه على الكُـتَّاب ".
والقصد من هذا المثل أنَّ الإنسان عندما يكبر في السن ويريد البدء بشيءٍ لا يناسبه
فمن الصعب الابتداء من جديد!!
بسلامتها هذه الأيام هادئة ...
نعم صدِّقوا ... أو لا تصدِّقوا !!
بعد سنين طويلة من زواجنا – وأنا لا أذكر متى تزوجنا ربَّما في عام النكسة أو قبله في عام النكبة أو أي عام من أعوام المآسي على العرب – أشعر بالهدوء العام في البيت ..صرْتُ أدخل وأخرج دون أن أشعر بِها ...
وبدأت الراحة النفسية تتسلَّل إلى أعصابي المكدودة معها !!
ولم تعد تثير المشاكل والقلاقل ولا حتَّى الفلافل،
صارتْ دودة كتبٍ بِمعنَى الكلمة ...
كلَّما دخلْتُ عليها وجدْتُها تحمل كتاباً تقرأ فيهِ، وفي البداية ظننْتُها تقرأ في مجلة ( مجلة ميكي) لعلمي التام بجهلها وضحالة ثقافتها !!
وذات مرةٍ تطاولْتُ لأقرأ عنوان الكتاب الذي تقرؤه وقد تركته على الطاولة فتفاجأتُ بعنوانه : " دراسات في علم النفس "، وأدركْتُ أنَّ الموضوع جادٌّ، وأنَّ حرمنا قدِ
اهتدت للثقافة الحقيقية التي تنفعها في دنياها وأُخراها..
وحقيقةً أضحكني منظرها بالنظارة السميكة التي تشبه تلك النظَّارة التي كان يرتديها "أبو سعيد الصريماتي " - رحمه الله - والذي كان يصلِّح الأحذية – أعزكم الله –أمام قوس النصر في الصليبة ..
وبدأت أستمتع بانشغالها وباستعادة سلامتي النفسية وأوقن بالمقولة المأثورة :
" العلم نورٌ "
و " خير جليس في الزمان كتاب "
وشرعْتُ أفكر في تقديم الشكر لكل المثقفين رسمياً، لأنَّ كتبهم استطاعت أن تشغل حرمنا عن مضايقة العبد لله.
ولكنَّ دوام الحال من المحال ...
وكنْتُ أعرف أنَّ هذا هو الهدوء الذي يسبق العاصفة ...
كنْتُ جالساً في الشرفة أدخن الأركيلة - تنبك عجمي – عندما وقفت بقامتها الضخمة تسد باب الشرفة وتقول لي بلهجةٍ حافةٍ :
" أريد خمسين ألف ليرة " ...
غصصْتُ بالدخان وسعلْتُ حتَّى احمرَّ وجهي .. وظلَّت تنظر لي في ثباتٍ حتَّى ارتحْتُ فقلْتُ لها : " خمسين ليرةً " .
قالتْ : " بل خمسين ألف !! " .
عاودْتُ السعالَ بشكلٍ أشدّ مِمَّا سعلْتُ قبل لحظاتٍ، ولمَّا هدأْتُ ..
قالتْ لي : " ما بك ؟ كل هذا لأجل حفنة نقود !! " .
قلْتُ : " ولِمَ ؟ "
قالتْ : " أريد التسجيل في جامعة ( الشنفرى ) لأتابع دراستي " .
لم أناقشها في الطريقة التي استطاعت إقناعهم بصغر سنها، ولا من أين جاءت بشهادة (البكالوريا)
التي سيسجلونها بها؟ ولا بالاسم الغريب الذي سمَّوا به جامعتهم وإن كان يناسبها - زوجتي لا الجامعة فشكلها كالشنفرى - فعلاً، بل قلْتُ لها :
" من أين سآتيكِ بالنقود ؟ "
قالت ببرودٍ : " لا أعلم .. أنت مسؤولٌ عني " .
الآن أنا مسؤولٌ عنها!!
عندما كانتْ تهزُّ بدني، وتسمِّم حياتي، لم تهتمَّ بأنِّي مسؤولٌ عنها آنذاك ... المهم أنَّني فكَّرْتُ في الراحة التي عشتُها الأيام السابقة، وصوَّر لي خيالي أنَّ هذه الراحة التي مررْتُ بها في الأيام السالفة ستستمرُّ ... ولذا ضحَّيْتُ مادياً لأرتاح نفسياً ... وأنا أدعو على الجامعات الخاصة وأسعارهم المرعبة ...
أمَّنْتُ لها المال اللازم وسجَّلتها لأرتاح ...
ولكنْ !!
وآه مما بعد (لكن) هذه!!
بدأت بسلامتها الدراسة على نظام الساعات أو المادة، وصوَّر لها خيالها المريض أنَّها أسرع حفظاً من الشافعي والبخاري والمتنبي ... والمشكلة أنَّني لأول مرة أعلم أنَّها لا تستطيع الحفظ إلا بصوتٍ عالٍ، ولمن لم يقرأ مأساتي معها في (تشتوشية الغناء ) فإنَّ لها صوتٌ يضاهي (أبو صابر) في جماله وعلوِّهَ ..
وبدأ صوتها وصداه يملأ أرجاء الدار وجفاني النوم، ولأنَّها تنام حتَّى الواحدة ظهراً، فهي لا تبدأ بالدراسة إلا في الساعة الثانية بعد الظهر ... وقت قيلولتي !! وكذلك تسهر ليلاً حتَّى الرابعة فجراً بزعم أنَّها تدرس، ولو فكَّرْتُ في مناوئتها أو طلب تخفيف صوتها عزفت لي أسطوانة (أنت تكرهني .. وتكره نجاحي ... ).
فأسكُت على مضضٍ، ولكنَّ أعصابي لم تعد تحتمل ..
وصرْتُ أذهب لعملي متعباً ..
ولاحظ زملائي أنَّني بتُّ شبه مريضٍ، فقال لي صديقي صبري :
" الخطأ خطؤك ... فأنت لم تقطع رأس القط .. "
ويعود ليهمس لي : " يجب أن تكون صارماً معها " ..
ولعلَّكم تتذكرون عادل إمام في مسرحية (شاهد ما شفش حاجة) عندما يقول للشرطي :
"ما تسكتلوش يا حسين .. أول ما يجي إديلوا " .
وظلَّ صبري يزنُّ على رأسي حتَّى قرَّرْتُ وضع حدٍّ لتلك الحيزبون المتصابية كأنَّها طالبة في الجامعة،
ولذلك ما إن بدأ زئيرها يعلو وهي تحفظ في بهو البيت، حتَّى وقفْتُ أمامها قائلاً بحزمٍ :
" لا أريد أن أسمع صوتك أبداً "
نفشت شعرها وكشَّرت عن أنيابها وأبرزت أظافرها – مخالبها وقالت بوقاحتها المعهودة :
" نعم ... نعم ... أريد أن أدرس .. افرنقع من أمامي " .
حين قالت ذلك غضبْتُ،
ثُمَّ رفعْتُ يدي وأهويْتُ على خدِّها بصفعةٍ من قلبٍ محروقٍ
أودعتُها غيظ السنين المنصرمة !!
ولأول مرةٍ رأيْتُ الدهشة مرتسمة على وجهها ...
ونفخْـتُ صدري لإثبات رجولتي أمامها وعقدْتُ ساعديَّ على صدري .. وقلْتُ لها :
" اسمعي من الآن فصاعداً ... أنا الرجل هنا ... ولا أريد أي صوتٍ في منزلي " .
ظلَّت تحملق بي في هلعٍ ..
**** ***** *****
ناديْتُ على صبري وأنا على السطح :
" هات معك (نارة) لنضعها على الأركيلة " .
طبعاً نسيْتُ أن أقول لكم وبسبب مشورته عليَّ التي جعلت حرمنا تطردني من منزلي أو
منزلها على قولها ... رضي صبري أن أقيم عنده حيث توجد غرفة فارغة على سطح منزله .
حتَّى تجيء حرمنا لمصالحتي ...
أو إلى إشعارٍ آخر !!