القصة القصيرة جداً جنس أدبي جديد
بقلم الدكتور جميل حمداوي
( بتصرّف يسير )
تمهيـــد أولـــــي:
ظهرت القصة القصيرة جدا منذ التسعينيات من القرن الماضي استجابة لمجموعة من الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية المعقدة والمتشابكة التي أقلقت الإنسان وما تزال تقلقه وتزعجه ولا تتركه يحس بنعيم التروي والاستقرار والتأمل، ناهيك عن عامل السرعة الذي يستوجب قراءة النصوص القصيرة جداً والابتعاد عن كل ما يتخذ حجماً كبيراً أو مسهباً في الطول كالقصة القصيرة والرواية والمقالة والدراسة والأبحاث الأكاديمية…. كما لم تجعل المرحلة المعاصرة المعروفة بزمن العولمة والاستثمارات والتنافس الإنسان الحالي ولاسيما المثقف منه مستقراً في هدوئه وبطء وتيرة حياته ، بل دفعته إلى السباق المادي والحضاري والفكري والإبداعي قصد إثبات وجوده والحصول على رزقه؛ مما أثر كل هذا على مستوى التلقي والتقبل والإقبال على طلب المعرفة، فانتشرت لذلك ظاهرة العزوف عن القراءة وأصبح الكتاب يعاني من الكساد والركود لعدم إقبال الناس عليه، كما بدأت المكتبات الخاصة والعامة تشكو من الفراغ لغياب الراغبين في التعلم وطلبة القراءة والمحبين للعلم والثقافة.
هذا، ولقد تبلور هذا الجنس الأدبي الجديد- على حد علمي- في دول الشام وبالضبط في سورية وفلسطين، ودول المغرب العربي وخاصة في المغرب وتونس على حد سواء. إذاً، ماهو هذا الجنس الأدبي الجديد؟ و ما هي خصائصه الدلالية والفنية والتداولية؟ و ما هي أهم النماذج التي تمثل هذا المولود الجديد في عالمنا العربي؟ تلكم هي الأسئلة التي سوف نحاول رصدها في مقالنا هذا.
1- تعريف القصة القصيرة جداً:
القصة القصيرة جداً جنس أدبي حديث يمتاز بقصر الحجم والإيحاء المكثف والنزعة القصصية الموجزة والمقصدية الرمزية المباشرة وغير المباشرة، فضلا عن خاصية التلميح والاقتضاب والتجريب والنفَس الجُمَليّ القصير الموسوم بالحركية والتوتر وتأزم المواقف والأحداث بالإضافة إلى سمات الحذف والاختزال والإضمار. كما يتميز هذا الخطاب الفني الجديد بالتصوير البلاغي الذي يتجاوز السرد المباشر إلى ما هو بياني ومجازي ضمن بلاغة الانزياح والخرق الجمالي.
2- تعدد التسميات والمصطلحات:
أطلق الدارسون على هذا الجنس الأدبي الجديد عدة مصطلحات وتسميات ومن بين هذه التسميات: القصة القصيرة جداً، ولوحات قصصية، وومضات قصصية، ومقطوعات قصيرة وبورتريهات، وقصص، وقصص قصيرة، ومقاطع قصصية، ومشاهد قصصية، و فن الأقصوصة، وفقرات قصصية، وملامح قصصية، وخواطر قصصية، وإيحاءات، والقصة القصيرة الخاطرة، و القصة القصيرة الشاعرية، والقصة القصيرة اللوحة….
3- رواد القصة القصيرة جداً:
ومن أهم رواد القصة القصيرة جداً نستحضر من فلسطين الشاعر والقصاص فاروق مواسي ومن سوريا المبدع زكريا تامر، ومحمد الحاج صالح، وعزت السيد أحمد، وعدنان محمد ونور الدين الهاشمي، وجمانة طه، وانتصار بعلة ،ومحمد منصور، وإبراهيم خريط، وفوزية جمعة المرعي. ومن المغرب نذكر حسن برطال ، وسعيد منتسب ، وعبد الله المتقي ، وفاطمة بوزيان. ومن تونس إبراهيم درغوثي. ومن السعودية فهد المصبح .
تعرف القصة القصيرة جداً بمجموعة من المعايير الكمّية والكيفية والدلالية والمقصدية والتي تحدد خصائصها التجنيسية والنوعية والنمطية:
أ- المعيار الكمــــــي:
يتميز فن القصة القصيرة جدا بقصر الحجم وطوله المحدد، ويبتدئ بأصغر وحدة وهي الجملة كما في قصة المغربي حسن برطال"حب تعسفي": ( كان ينتظر اعتقالهما معا…لتضع يدها في يده ولو مرة واحدة ) . إلى أكبر وحدة قد تكون بمثابة فقرة أو مقطع أو مشهد أو نص وغالبا لا يتعدى هذا الفن الأدبي الجديد صفحة واحدة وينتج قصر الحجم عن التكثيف والتركيز والتدقيق في اختيار الكلمات والجمل والمقاطع المناسبة واجتناب الحشو والاستطراد والوصف والمبالغة في الإسهاب والرصد السردي والتطويل في تشبيك الأحداث وتمطيطها تشويقاً وتأثيراً ودغدغة للمتلقي. ونلاحظ في القصة القصيرة جدا الجمل القصيرة وظاهرة الإضمار الموحي والحذف الشديد مع الاحتفاظ بالأركان الأساسية للعناصر القصصية التي لايمكن أن تستغني عنها القصة
ب- المعيار الكيفـــي أو الفنــي:
يستند فن القصة القصيرة جداً إلى الخاصية القصصية التي تتجسد في المقومات السردية الأساسية كالأحداث والشخصيات والفضاء والمنظور السردي والبنية الزمنية وصيغ الأسلوب ولكن هذه الركائز القصصية توظف بشكل موجز ومكثف بالإيحاء والانزياح والخرق والترميز والتلميح المقصدي المطمعم بالأسلبة والتهجين والسخرية وتنويع الأشكال السردية تجنيساً وتجريباً وتأصيلاً. وقد يتخذ هذا الشكل الجديد طابعاً مختصراً في شكل أقصوصة موجزة بشكل دقيق في أحداثها
ومن الأمثلة قصة ( عروض خاصة) لفاطمة بوزيان:
( في لحظات وحدته القصوى
كان يخرج هاتفه المحمول
ويضغط على أزرار الرقم المجاني
حيث الصوت الأنثوي الرخيم
يذكر بالعروض الخاصة
وكان يتذكر الأنثى والأمور الخاصة )
وقد تتحول القصة القصيرة جداً إلى لوحة تشكيلية كما في( عولمة ) للكاتبة المغربية فاطمة بوزيان:
( همّ الأستاذ بالكتابة على السبورة تكسر الطبشور
حاول الكتابة بما تبقى في يده، خربش الطبشور
السبورة في صوت مزعج
اغتاظ . والتفت على يمينه قائلا
- اتفو على التخلف في زمن العولمة يسلموننا )
هذا، وتتميز الجمل الموظفة في معظم النصوص القصصية القصيرة جدا بالجمل الموجزة والبسيطة في وظائفها السردية والحكائية، حيث تتحول إلى وظائف وحوافز حرة بدون أن تلتصق بالإسهاب الوصفي والمشاهد المستطردة التي تعيق نمو الأحداث وصيرورتها الجدلية الديناميكية. وإذا وجدت جمل مركبة ومتداخلة فإنها تتخذ طابعاً كمياً محدوداً في الأصوات و الكلمات والفواصل المتعاقبة امتداداً وتوازياً وتعاقباً. وتمتاز هذه الجمل بخاصية الحركة وسمة التوتر والإيحاء الناتج عن الإكثار من الجمل الفعلية على حساب الجمل الاسمية الدالة على الثبات والديمومة وبطء الإيقاع الوصفي والحالي والاسمي. ويتميز الإيقاع القصصي كذلك بحدة السرعة والإيجاز والاختصار والارتكان إلى الإضمار والحذف من أجل تنشيط ذاكرة المتلقي واستحضار خياله ومخيلته مادام النص يتحول إلى ومضات تخييلية درامية وقصصية تحتاج إلى تأويل وتفسير .
ومن حيث البلاغة ، يوظف الكاتب في نصه المجاز بكل أنواعه الاستعارية والرمزية من أجل بلورة صورة المشابهة وصورة المجاورة وصورة الرؤيا القائمة على الإغراب والإدهاش والومضات الموحية الخارقة بألفاظ إنشائية أو واقعية تتطلب تأويلات دلالية عدة. ويمكن الحديث أيضا عن بلاغة البياض والفراغ بسبب الإضمار والاختزال والحذف . وكل هذا يستوجب قارئا ضمنيا متميزا ومتلقيا حقيقيا متمكنا من فن السرد وتقنيات الكتابة القصصية.
================
دعوة للكتابة : أدعو كلّ الأحبّة أعضاء المنتدى أن يُشاركوا بقصّة قصيرة جدّاً من تأليفهم . ولا يقولنّ أحد : لا أعرف ، أو لا أستطيع .. فليجرّب ويُحاول ، وليستأنس بما نقلته أعلاه .. وأنا واثق أننا سنكتشف مواهب قد لا يشعر بها أصحابها أنفسهم ..
ما رأي الأستاذ سامر بهذه الدعوة ؟