مساء الخير على الجميع
واستمراراً لهذه الطرائف الممتعة أحب أن أشارك بهذه الطرفة المختارة
أرجو أن تستمتعوا بها
* من طرائف الشعراء*
يحكى أن الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور كان حريصاً جداً على أموال الدولة وكان من عادة الخلفاء أن يعطوا الهدايا للشعراء ، ويغدقوا عليهم الأموال ، فلجأ أبو جعفر إلى حيلة كي لا يعطي للشعراء شيئاً ، فأعلن أنّ من يأتي بقصيدة من بنات أفكاره يأخذ وزن ما كتبها عليه ذهباً . فتسارع الشعراء إلى قصر الخليفة ليسردوا شعرهم ، ولكنهم فوجئوا بالخليفة يقول لكل شاعرٍ عندما ينتهي من إلقاء قصيدته : " هذه القصيدة ليست من بنات أفكارك ، لقد سمعتها من قبل " ! ويعيدها عليه .. فيُدهَشُ الشاعر ثم ينادي الخليفة على أحد غلمانه فيقول له : " هل تعرف قصيدة كذا وكذا ؟ فيقول : " نعم " ثم يبدأ بإنشادها ! ثم ينادي الخليفة جاريةً عنده ويسألها : " هل تعرفين قصيدة كذا وكذا " ؟ فتقول : " نعم " ثم تبدأ بإنشادها ! فيُجنّ الشاعرُ مما يسمع ! فقد سهر طوال الليل ينظم هذه القصيدة ولم يسمعها أحدٌ من قبل ! فكيف يحفظها هؤلاء الثلاثة ؟!
لقد كان الخليفةُ أبو جعفر المنصور يحفظ الكلام من مرة واحدة ، وكان عنده غلام يحفظ الكلام من مرتين ، وجارية تحفظ الكلام من ثلاث مرات ، فإذا قال الشاعر قصيدته حفظها الخليفة فأعادها ، فيسمعها الغلام مرتين من خلف ستار فيحفظها ويُعيدها فتسمعها جارية من خلف ستار ثلاث مرات ، فتحفظها وتُعيدها !!
فاجتمع وفدٌ من الشعراء وذهبوا إلى عالم اللغة المعروف " الأصمعي " وشكوا إليه أمرهم مع الخليفة ، فعزم على أن يفعل أمراً . وفي الصباح تنكّر بلباس أعرابيّ ، واستأذن بالدخول على الخليفة ، فأذن له . قال الأصمعي : " لقد سمعتُ يا أميرَ المؤمنين أنك تُعطي على الشعرِ وزنَ ما كتبت عليه ذهباً " .. فقال الخليفة : " نعم ، فهات ما عندَك " .
فقام الأصمعيّ ، وأنشد هذه القصيدة :
صَوتُ صفيرِ البُـلبُـــلِ هَيَّجَ قلبي الثَّمِلِ
المــاءُ والزّهرُ معــــاً مَعْ زَهرِ لَحْظِ المُوقَلِ
وأنتَ يـــــــا سيِّدَلي وسيِّدي ومَوْلَى لِي
فَكَــــمْ فَكَـــمْ تَيَمُّني غُزَيِّلٌ عَقَيْقَلي
قَطَّفتَهُ مِنْ وَجْنَةٍ مِنْ لَثْمِ وَرْدِ الخَجَلِ
فقـــــالَ لا لا لا لا لا فَقَدْ غَدا مُهَرْوِلِ
والخُوذُ مـــالَت طَّرَبَنْ مِنْ فِعْلِ هذا الرَجُلِ
فَـوَلْوَلــــــَتْ وَوَلـــْوَلَتْ وَلي وَلي ياوَيْلَلي
فَقُلـــتُ لا تُـــــــوَلْوِلي وبَيِّني اللُؤْلُؤَ لي
قالتْ لَــــــهُ حينَ كذا انهَضْ وجِدْ بالنُّقَلي
وَفِتْيَةٍ سَقَــــــــــوْنَني قَهْوَةً كَالعَسَلَ لِي
شَمَمْتُهـــــــــا بِأَنَفي أَزْكى مِنَ القَرَنْفُلِ
في وَسْطِ بُسْتانٍ حُلي بالزَّهْرِ والسُرُورُ لي
والعُودُ دَنْدَنْ دَنَــا لي والطَّبْلُ طَبْطَبْ طَبَ لي
طَبْ طَبِطَبْ طَبْ طَبِطَبْ طَبْ طَبِطَبْ طَبْطَبَ لي
والسَّقْفُ سَق ْسَقْ سَقَ لي والرَّقْصُ قَدْ طابَ لي
شَوى شَوى وشاهِشُ على وَرَقْ سِفَرجَلي
وغَرَدَ القِمْرِ يَصيحُ مَلَلٍ في مَلَلِ
وَلَوْ تَراني راكِباً على حِمارٍ أهْزَلِ
يَمْشي على ثلاثَةٍ كَمَشْيَةِ العَرَنجِلِ
والناسْ تَرْجِمْ جَمَلي في السُوقْ بالقُلْقُلَلِ
والكُلُّ كَعْكَعْ كَعِكَعْ خَلْفي وَمِنْ حُوَيْلَلي
لكِنْ مَشَيتُ هارِباً مِن خَشْيَةِ العَقَنْقِلي
إلى لِقاءِ مَلِكٍ مُعَظَّمٍ مُبَجَّلٍ
يَأْمُرُني بِخَلْعَةٍ حَمراءْ كالدَّم ْدَمَلي
أَجُرُّ فيها ماشِياً مُبَغْدِداً للذِّيَلِ
أنا الأديبُ الألْمَعي مِنْ حَيِّ أَرْضِ المُوصِلِ
نَظِمْتُ قِطْعاً زُخْرِفَت ْيَعْجزُ عَنْها الأدْمُلِ
أَقُولُ في مَطْلَعِها صَوْتُ صَفيرِ البُلْبُلِ
فحاول الخليفة أن يعيدها فلم يستطِعْ ، فنادى على الغلام وسأله : " هل تعرف هذه القصيدة " ؟ فقال لا يا أمير المؤمنين !! فنادى على الجارية : " هل تعرفين هذه القصيدة " ؟ فقالت : " لا والله يا أمير المؤمنين " !! فقال الخليفة : " هات ما كتبتها عليه لنعطيك وزنه ذهباً " .. فقال الأصمعي : " لقد ورثت يا أميرَ المؤمنين عمود رخام من أبي نقشتها عليه ، وهو في الخارج لا يحمله إلا عشرة من الرجال " !! ...