التشتوشية الخامسة عشرة :
انسَ همومك
هناكَ في منطقة الرِّيف في اللاذقية أماكن كأنَّها قطعٌ من الجنَّةِ على الأرض ... حيث الهواء البارد في أَوْجِ اشتدادِ الحرِّ في الصَّيفِ، والمناظر الطبيعية الخلاَّبة، و .....
هناك في قرية هادئة اسمها (دورين) - تقع بعد مصيف (سلمى) حوالي كيلومتراً واحداً - استراحة اسمها (انسَ همومك)، وهي تطلُّ على وادي سلمى ودورين في منظرٍ بديعٍ ، وقد أخبرنِي بِهذا المكان أخي الصغير (حمودة) الذي جاء من الإمارات في إجازةٍ سريعةٍ تَمتد عشرة أيَّامٍ، ووجدتُها فرصةً سانِحةً لنجلس في هذا المكان السَّاحِر..
وبطبيعة الحال كانت حرَمُنا المصون ترى في أخي نَموذجاً من سذاجتِي وبلاهتِي لَمَّا كنْتُ في عمرهِ، والحقُّ أنَّنِي أشهدُ لَها بفراستِها في هذا المجال، وأُقرُّ لها بأنَّنِي ساذجٌ فعلاً ... لأنَّه لولا سذاجتِي لَمَا تزوَّجتُها !!
حضرَ أخِي الذي يعرف تلك المنطقة وقرَّرْتُ أن أركبَ بسيَّارتِي الجديدة لأذهبَ معه وأرى هذه الاستراحة التِي يقول أخِي عنها :
(( عندما تراها فلن تنساها أبداً )) ..
فقلْتُ له ضاحكاً : (( اسمٌ على مسمَّىً )) ..
**** **** ****
ولأنَّها أشدُّ إلحاحاً من ذُبابةٍ تطنُّ فوق رأسِكَ وأنت نائِمٌ ألحَّتْ بسلامتها أن تكونَ معنا لترى بنفسها المكان وتعاينه وكأنَّنا سنشتريهِ!!
وهكذا تصدَّرتِ المقعد عن يَمينِي وهو ينوءُ تَحتَ ثقلِها، ولأنَّ أخي – الساذج مثلِي على رأيِها – جلس خلفها عندما ركبْنا السيَّارة، وأرجعتِ المقعد للخلف بسبب ضخامة بطنها الذي ارتطمَ بالتابلوه، ولأنَّ سيَّارتِي (دايو متيز) صغيرة الحجم جداً فإنَّها حشرتْ أخي من الخلف ولم يعدْ يستطيعُ التحرُّكَ.. ولمعرفتهِ بطول لسانِها ووقاحتها معي - وأنا زوجها- فكيف ستكون قلَّة أدبِها معه؟!!
وتَحمَّلَ المسكين ساعةً كاملةً طيلة المسافة من اللاذقية إلى دورين عفواً بل إلى (المريج) كما ستعلمون يعد قليلٍ!!
ولمن لا يعلمُ الطريق فإنَّ المسافة من (كفرية) إلى (دورين) كلُّها صعودٌ ومنحنياتٌ خطرةٌ، وفي بعض الأماكن الطريق شديد الصعود وأشفقْتُ على السيارةِ وهي تئنُّ بِحملِها الزائد في صعودها ... بل إنَّها توقفت قرب قرية تُدعَى (المريْج) فلمَّا نزلتْ بسلامتها نزل (حمودة) كالبرق ليرتاحَ من ضغط مقعدها على قدميهِ، والعجب أنَّ السيارة - لمَّا نزلتْ جرمنا المصون - قفزتْ كالأرنب عندما يفرُّ دون مبالغةٍ !!
وقالت لي : - ما هذه السيارة التعسة؟!
قلْتُ لها : - لكنَّها ما إن نزلْتِ عادت للعمل !!
صاحتْ بصوتٍ عالٍ أجفل له أهل القرية حتَّى الحماران اللذانِ كانا عن عين الماء يشربان :
- نعم ... نعم ... سيارتك التي تشبه النملة في حجمها هي السبب لا أنا !!
لاحتْ على بعض القروييْن البسطاء نظرات الإشفاق عليَّ والاشمئزاز منها، وصدِّقوا أو لا تصدِّقوا أنَّ الحماريْنِ بدورهما نظرا لي وقد أرخيا أذنيْهما كنايةً عن حزنِهما عليَّ، بل رأيْتُ أحدهما يدير حافره الخلفي باتجاهها ليرفسها لولا أنَّها هرعت إلى السيارةِ لتنجوَ بنفسِها..
****** ****** ******
كان المنظر عند استراحة (انسَ همومك) فعلاً يفوق الوصف!!
هدوء تامٌّ إلاَّ من بعض زقزقة العصافير وحفيفي أوراق الشجر مع النسمات الهادئة المنعشة، وهواءٌ باردٌ عليلٌ ينعش القلب يهبُّ بيْنَ الفيْنةِ والأخرى ، ومناظر طبيعية خلاِّبة يغلب عليها اللون الأخضر بجميعِ تَموُّجاتِهِ، ولم يكن يفسد هذه الروعة إلاَّ وقوفها على رأس تلَّةٍ كأنَّها ديناصورٌ من عصور ما قبل التاريخ !!
اتفقنا مع صاحب الاستراحة على حجز طاولاتٍ لنا عصر يوم الجمعة ...
ولمَّا ركبْنا في طريق العودة دار بينِي وبينها هذا الحوار :
- هل ستتصل بأهلي اليوم ؟
- ولماذا سأتصل بِهم اليوم ؟
- اليوم الثلاثاء وباقٍ على العزيمة يومان فقط، فلا بدَّ من أن تتصل بِهم اليوم ليجهِّزوا أنفسهم قبل أن يرتبطوا بمواعيد أخرى !!
- ما علاقة أهلك ؟
كعادتِها صاحتْ بصوتِها (الصابري) – وكما لْتُ قبلاً هو نسبة لأبي صابر ويبدو أنَّنِي سأطلب من مجامع اللغة العربية تسجيل هذا المسمَّى باسمي- ولولا أنَّ زجاج النوافذ مفتوحٌ لتكسَّر كله من صوتِها :
- ألا تنوي أن تعزمهم ؟
- العزيمة لأخي وأهلي فما علاقة أهلك ؟!
- نعم ... نعم ... هل من الحرام أن تدعوَ أُمِّي وأهلي !!؟
تذكَّرْتُ أمَّها وفصولها المخزية المخرِّبة لعلاقتنا فانفجرْتُ قائلاً:
- بالذات أمك لا ... لن أعزمها .. مجرَّد وجودها في مكانٍ كفيلٌ بتدميره دماراً شاملاً ...
بُهتتْ من هجومي على أمها، فهي أول مرَّةٍ تسمعنِي أهاجمها بِهذهِ الطريقة، فتابعْتُ :
- لو أستطيع الاتصال بالوكالة الذرية لطلبْتُ منهم وضع أمِّكِ على لائحة أسلحة الدمار الشامل المحظورة دولياً..
التقطْتُ نَفَسِي ثُمَّ قلتُ:
- العزيْمة لأخي العائد من السفر .. فما علاقة أهلكِ بهِ !!
يبدو أنَّ صمَّام الأمان الخاص بتحكُّم أعصابِها قد تلف لهجومي المفاجئ عليها فصاحت :
- تباً لك ولأهلك .. ألهذه الدرجة تكرهنا ؟
- حافظي على لسانكِ الحرباء ..
- لسانِي حرباء يا شبيه الضفدع ..
- واللهِ رأسك الشبيه بالفدان يحتاج إلى عشرين (صرماية) و (شاروخ) و (كَسْرية) و (تاسومة) ...
[أسماء لشيء واحد في اللهجة
اللاذقانية وهو الحذاء أو ما يعادله]
وبدأت موشحها من الشتائم التِي أذهلت (حمودة) فهو لم يتوقع أن يكون قاموسها يحتوي كل هذه البذاءة ..
- الحق عليَّ أنَّنِي لا أطلقك وأرميكِ في وجهِ أمكِ الذي يقطع الرزق ..
- ليتك تفعل فأرتاح منك ومن رؤية وجهك السمج القبيح ...
وتفاءلَ (حمودة) خيْراً من أنَّنِي سوف أطلقها فعلاً وأخلص منها، فهو لا يطيقُها بتاتاً !!
****** ****** ******
بالفعل في جوٍّ شاعريٍّ رائعٍ ضمَّ عشرين مِمَّنِ استطاعَ الحضور ... والهواء يتلاعب من حولنا حاملاً البرودة المنعشة .. والطعام الشهي من لحوماتٍ مشويةٍ على أنواعها: لحم غنمٍ ودجاجٍ وسمكٍ، وتوابل وسَـلَطاتٍ ومشروباتٍ وأراكيل ..
مِلْتُ بسيخ لحمةٍ مشويٍ :
- تفضلي يا روحي !!
- شكراً ..
والتهمَـتْهُ كسمك قرشٍ جائعةٍ تفتح فكيها عن آخرهما ...
والتفتُّ للجهة المقابلة من الطاولة :
- أتفضلين الأركيلة الآن يا حماتِي، أم بعد قليلٍ؟!
**** **** ****
قالت لِي زوجتِي هامسةً :
- كانَ من الأجدى أن تدعوَ (حمودة) معنا!!