عندما تغني فيروز..
أغاني هذه الأيام.. تُضاعف من شغفي بالاستماع إلى المطربة اللبنانية فيروز ومعها أوقن أنه لا بديل لكلمة قوية غنتها بصوتها الأخاذ فأضحت فيروز الكلمة والمعنى معاً.
وعندما تغني فيروز تتحرك الحروف فلا تعود حروفاً بل كائنات تنبض بحياة مختلفة تجعل في كل شيء من حولنا يقظة من نوع نادر. كيف يمكنها ذلك.. لا أدري؟!
هكذا ازدادت ثقتي بما تغنيه فيروز كلمة ومعنى.
ومن أغانيها التي أحبها كثيراً (الأبواب) التي لحنها الملحن اللبناني المميز فيلمون وهبي. ومن يقرأ كلمات (الأبواب) التي كتبها الشاعر جوزيف حرب لا يتصور أن تغنى هذه القصيدة لأن فيها فلسفة غير مألوفة لدى الذوق الفني الغنائي العام ولكن ما بدا لي ـ بعد خبرة وتجربة استماع أزعم بطولها ـ أن فيروز والرحبانيين عموماً نموذج اعتاد أن يؤلف بين الكلمة والمعنى واللحن فلا يعود هناك تمايز أو تنافر بين أي منهما وهذا أهم أسباب اختلاف جملهم الموسيقية وألحانهم عن غيرهم إذ يطوّعون غير الممكن في نظر بعض الملحنين ويجعلونه ممكناً:
"على باب بنوقف تانودع الأحباب
نغمرهن وبتولع ايدينا بالعذاب
أبواب أبواب
شي غُرب.. شي أصحاب
شي مسكّر وناطر
تايرجعو الغيّاب"
إذا أردت أن تستمع لصوت النور: اغمض عينيك و أنصت لصوت "جارة القمر" فيروز، تلك التي سكنت أكثر من أربعين عاما في "ملتقى ما التقت شمس وشطآن، تلك لبنان"، لكنها و بكل تأكيد تعيش في قلوب ملايين من عشاقها ليس في الوطن العربي فقط بل و في العالم كله.
فيروز التي حولت الغناء إلى حياة و فلسفة فغنت لكل شيْ: للحب، للأرض و الناس، للصداقة و العشق.. للبحر و الجبل والتل، للريح و الحرب و السلام، للمطر و الحرية، للوطن، لمصر، للبنان و مكة و القدس و بعلبك، للطفولة والمشردين، للحق و للزهر.. و لكل شيْ.
البداية
ولدت نهاد حداد في الحادي والعشرين من شهر تشرين الثاني نوفمبر من عام 1935 لتحمل اسم نهاد حداد ولتنشأ في منزل مؤلف من غرفة واحدة ومطبخ في ظل والديها وديع حداد العامل في مطبعة جريدة لوجور وأمها ليزا بستاني ابنة بلدة الدبيبة ولتشب فيما بعد مع اخوتها الذين تتابعو فيما بعد وهم جوزف وهدى وآمال .
التحقت نهاد بمدرسة الاناث الأولى الرسمية وكانت تتمنى ان تصبح معلمة تسهر على طلابها وطالباتها. ولم تخل حياة نهاد حداد الأبنة الطيبة والتلميذة المطيعة مــن جانب أساسي تعيشة الصغيرات وتقمن له وزناً في حياتهن وهو ارتباطها بجدتها لوالدتها ، التي كانت تكن حباً كبيراً لها لايضاهى ، وتضهر خوفاً عليها من حر الصيف وبرد الشتاء. وكان أجمل ما يستهوي نهاد تلك المسطبة أو البلكونة التي...تمتد أمام منزل جدتها
في منتصف الأربعينات تلقى أستاذ الكونسرفاتورا محمد فليفل دعوة لحضور عيد الشجرة في بيروت ، وحط الرجل في مدرسة الاناث الأولــى الرسمية ، وعندما كان يستمع الى المتفوقات في الإنشاد جاء دور نهاد فأنشدت يا وطني الأغر وعندما انتهت من اداء النشيد طلب منها الأستاذ الاقتراب وسألها من أنت ثم دعاها بعد موافقة والدها الى الكونسرفاتورا . وهكذا ما كاد يطل شهر كانون الأول ديسمبر من العام 1946 حتى التحقت نهاد بمعهد الكونسرفاتورا الوطني وقيد اسمها في صف محمد فليفلبالمجان لدرس الانشاد والغناء و " الصولفيج " وتنتهي الرواية لتلتحق نهاد بكورس الإذاعة بأجر شهري هو مائة ليرة لبنانية . وبرزت مشكلة الإسم الفني ، حينـهـا اقترح عليها حليم اسم فيروز أو شهرزاد واتفق الجميع على اسم فـيروز.
كان حليم الرومي على قناعة تامة بأن صوت فيروز يمكنه التلون غنائياً مع اللونين الشرقي والغربي . ولم يكن هذا بيت القصيد . وانما ان يتم تقديم فيروزالى عاصي الذي ما ان التقاها حتى اتفق على لقائات مقبلة أثمرت عن اشتراكها في عمل ثنائي باسم "لما ولمياء " . وكان بطبيعة الحال لابد أن تنتهي علاقة فيروز بعاصي الى زواج مبارك . ويوم زفافهما في صيف العام 1954 . وكان عالم فيروز الغنائي يتسع شيئاً فشيئاً ويكبر ، وكانت الاذاعة السورية بعد الاذاعة اللبنانية مجالاً مهماً في انتشار أغنياتها مما جعل الدعوات توجه اليها لاحياء الحفلات في دمشق.
فيروز و الرحبانية
كون الرحبانية مع فيروز فرقة غنائية بدأت أولا في تقديم الاسكتشات القصيرة مثل "زرياب" "أرضنا أنشودة الفؤاد" و "عائدون" و غيرها.
و للأسف لم تعبر هذه الاسكتشات بقالبها الغنائي البسيط عن موهبة الرحبانية في الموسيقى و لم تكشف القدرة السحرية لصوت فيروز في التأثير على الناس.
الأوبريت
بعد ذلك جاءت مرحلة الأوبريت في حياة فيروز و الرحبانية و كانت المرحلة التي حملت نضوجا أكثر في موسيقى عاصي ومنصور و قدرة أكبر على استغلال الصوت السحري.
بياع الخواتم
شهد أوبريت "بياع الخواتم" نقطة تحول في مشوار فيروز والرحبانية الطويل حيث حمل نضجا أكثر و وضوحا في معالم الشخصية الموسيقية للفرقة، هذا الأوبريت الذي حوله يوسف شاهين إلى فيلم سينمائي قامت ببطولته فيروز وغنت فيه "يا مرسال المراسيل" و "بياع الخواتم".. حيث قدم شكلا جديدا للفيلم السينمائي الذي يغنى فيه الحوار.
و بعد "بياع الخواتم" صار تطور الرحبانية أمرا واضحا ليس فقط على مستوى الموسيقى، بل أيضا على مستوى المضمون و صار إسقاط الماضي على الحاضر هو لعبة الرحبانية التي برعوا فيها و التي غنت من خلالها فيروز للحرية و الثورة ضد الظلم و الشر و لنصرة الحق و العدل.
ثورة في عالم الموسيقى
قادت فيروز ثورة مع الرحبانية في عالم الموسيقى و ساهمت معهم في إنعاش روح المسرح الغنائي بعد رحيل سيد درويش وأعطت الموسيقى الشرقية خصائصها العالمية، و لم تخشى يوما التجديد في الموسيقى و التوزيع فكان التوزيع الجديد الذي قدمه ابنها زياد الرحباني لبعض أغانيها والتي قام بتلحينها والده من قبل ثورة حقيقية في الموسيقى و تم طرح الشريط في الأسواق في ألبوم يحمل إهداء إلى عاصي.