*** الموضوع لا يتعلق بكرة القدم السورية وانما بالرياضة السورية بشكل عام
صدق أو لا تصدق
صدق والأفضل حفاظاً على سلامة صحتك العقلية ألا تصدق, أن البعثة السورية الى الأولمبياد تضم 8 رياضيين و17 ادارياً!! أي أن كل رياضي سيتمتع بما معدله اداريان و81€ من الاداري!
الخبر ليس نكتة ولا شائعة, وإنما نبأ أورده موقع الـ«سي ان ان» العربية, نقلاً عن وكالة الأنباء السورية €سانا€, أي أن المعلومات رسمية ومؤكدة 100€, وليس قيل عن قال, ولقد ارتأى الموقع الاميركي اعادة نشره, لأهمية عدم تحديد المهمات الادارية التي سيضطلع بها الاداريون الـ 17 في اولمبياد بكين, اللهم سوى توفير العناية الفائقة للرياضيين الثمانية المشاركين, بحسب النبأ في ألعاب القوى, السباحة, الترياتلون, رفع الأثقال, والرماية. هذا على الرغم من أن مشاركتهم في الأولمبياد «رمزية» بحسب وصف التقارير الاعلامية السورية التي نقلتها الـ«سي ان ان», والتي من فرط دهشتها من هذا الخبر السوري بامتياز اعتبرته ظاهرة وصفتها بأنها «فريدة من نوعها»: «تتمثل في تجاوز الاداريين عدد اللاعبين, اضافة الى ضعف تدريب بعض الرياضيين, الذين كان الجمهور السوري يراهن عليهم لرؤية علم بلادهم يرفع في تتويج أبطال المسابقات».
هكذا تحدثت الـ«سي ان ان» المغرضة الحقودة والحسودة, التي لا تعرف شيئاً عن عاداتنا وتقاليدنا في هذا النوع من المشاركات, فهي تجهل مثلاً أن الميزانيات التي تنفقها الدولة على الرياضة والرياضيين والبنى التحتية الموقوفة للنشاط الرياضي الشبابي, تكفي ليس فقط لتدريب عدة أبطال على مستوى العالم, بل اذا شاء القائمون على هذا القطاع وشاء الهوى يمكنهم كل عام رفد الرياضة العالمية بمئة بطل في مختلف أنواع الرياضة, فالمواهب الشبابية ليست خافية على أحد, أكثر من الهم على القلب, وليس بخاف كيف تبدأ سيرة الرياضي الشاب بانطلاقة متوقدة وواعدة, ثم تنحدر نحو الانطفاء مع أول ميدالية على مستوى المحافظة, حيث يتحول الى بند لاستجرار نفقات, على الورق تنفق على تدريبه وصقل موهبته, وعلى الأرض تذهب الى مستحقيها من الكائنات الطفيلية النابتة حول الموهبة الغضة, وإلا كيف يفسر ما ذكره التقرير عن «أن الربّاع الأبرز عهد جغيلي, الذي كانت سوريا تراهن عليه للحصول على احدى ميداليات المسابقة, لم يتلق الاعداد الجيد الذي يليق بهذه المناسبة الرياضية المهمة ومنافساتها القوية, ولذلك فإن نتائجه, كما يقول مدربوه, غير مضمونة في ظل المنافسة القوية». كيف تعرب جملة «لم يتلق الاعداد الجيد» ومن الذي يجب أن يحاسب على التقصير في تدريب الرباع جغيلي؟ هل هم هؤلاء الذين لا يجدون غضاضة في اعتبار المشاركة السورية في الأولمبياد «رمزية», من أجل «الوجود ليس الا», كما قال المحلل كاتب تقرير €سانا€ مستدلاً على صحة ذلك بعدم اصطحاب اعلامي لتغطية المشاركة. وكأن الأولمبياد مناسبة بروتوكولية الوجود فيها أهم من المشاركة الفعلية والتنافس على البطولة لرفع علم الوطن عالياً.
الأمر العجيب والأكثر عجباً, هو أن يتم تبرير ذلك بأن هذا لا يقتصر على السوريين بل سائر العرب, الذين وصفهم التقرير بـ«ضحايا» العرس الرياضي الذي ستشهده العاصمة الصينية. ولاحظ التقرير أن معظمهم «يذهب للسياحة, وليس لتحقيق وكسر الأرقام, في ظل وجود أبطال العالم في المسابقات كافة».
فلنتوقف عند نقطتين تجافيان المنطق, الأولى اعتبار التقصير السوري جزءاً من التقصير العربي, انطلاقا من العادة البدوية في تضييع دم القتيل في جرائم الأخذ بالثأر, فيتم التغطية على الجاني بأن يقوم عشرات الأشخاص بالمساهمة بالقتل, كل يوجه طعنة فلا يعرف من هو الجاني, وهكذا فالعرب جميعاً مقصرون, أي في الهوا سوا, وهي حجة درج العرب على تكريسها في مختلف المجالات للتعمية على واقع الحال البائس والعاجز, فإذا ارتفع صوت يطالب بالحريات, جاء الجواب لا وجود للحريات مطلقاً, أميركا أم الحريات فيها منع وتنصت ورقابة واعتقال تعسفي... هنا طبعاً, تظهر قدراتنا غير العادية في تعداد الحوادث التي تثبت صحة الجواب المفحم, ما يعني أنه اذا كانت الأمم المتقدمة تشكو سوء الحريات, فعلى الأمم المتخلفة, الصبر وعدم المطالبة بتحسين واقعها الى أن يفرج كرب الأمم المتقدمة.
النقطة الثانية تحويل المقصرين الى ضحايا, وكأن القائمين على الأولمبياد في الصين أو €العرس الرياضي€ تآمروا على العرب كي تكون مشاركتهم سياحية. اللهم الا اذا كان كاتب التقرير يقصد أن الرياضيين العرب ضحايا سياسات المؤسسات الرياضية والشبابية, التي لم تر في مناسبة رياضية عالمية مثل الأولمبياد أكثر من كونها مناسبة ترويحية, بالإمكان أن ينوب عن الرياضة والرياضيين, موظفون اداريون على رؤوسهم ريش, يستحقون المكافأة لقضاء أيام رياضية بلا رياضة. هذا ليس €ظاهرة فريدة€ وإنما نتيجة طبيعية في مؤسسات ينخرها الفساد, كسائر المؤسسات الأخرى التي تحولت الى بيئة طاردة للمواهب, ان لم نقل قاتلة, فيعيش رياضي مثل الرامي السوري, روجيه ضاحي في دبي, وينال مقعداً للمشاركة في الأولمبياد عن طريق الاتحاد الدولي للرماية. ولا ندري اذاً لأي جهة تحسب مشاركته.
والمفارقة أننا لا نشعر بالمسؤولية تجاه حدث دولي, صار لنا أكثر من عامين نقرأ عن تحضيراته, والمؤامرات الدولية السياسية تحاك لتحويله الى مناسبة لفتح الملفات الصينية الداخلية المغلقة وطرحها للتداول العالمي, تمهيدا لغزو هذا المجتمع الذي غزا العالم بصناعاته. أما نحن فلا نهتم ولا نريد أن نهتم لأن الصين بعيدة, أليست من بلاد الشرق الأقصى؟ كما أن مشاغلنا كثيرة وكبيرة أكبر من التفكير بالصورة التي يجب أن تكون عليها المشاركة السورية, ضمن المشهد العالمي, ولعمري هذا زهد ما بعده زهد, اذ نترفع عن المظاهر وحلم تسليط الأضواء على علم بلادنا وهو يرفرف في فضاء أولمبياد الصين. فالقناعة كنز لا يفنى, اجازات سياحية باليد, ولا أحلام على الشجرة.
سعاد جروس - الكفاح العربي
DamasPost