[align=center]
عاش الشاعر أبو البحر الخطي أواخر القرن العاشر وأوائل الحادي عشر الهجريين ، متنقلا بين القطيف والبحرين وبلاد فارس ، وقد بنت هذه الحقبة من الزمن في البلدان المذكورة بشئ ملموس من ا لركود الأدبي.
ويرجع هذا إلى ما أصاب العراق والبلدان العربية على ساحل هذا الخليج الأخضر في اضطرابات سياسية نتيجة السجال الحربي وتبادل النفوذ الإداري بين العثمانيين والفصويين ، ومن كان يتحرك في فلكهما من قبائل وأسر وشخصيات سياسية واجتماعية .
يقول الشيخ اليعقوبي في كتابه " البابليات" : ( انتابت العراق في هذا القرن " يعني القرن العاشر الهجري " من أعالي الشمال إلى أقاصي الجنوب نكبات ومحن واضطرابات وفتن أثارتها العصبيات القومية والنعرات الطائفية ، وظلت البلاد أكثر من مائة عام لا تستقر على حال من القلق ، حروب وغارات وذهول وثارات ، تحت استعمال الفرس مرة وغارات الأتراك أخرى ، وذلك منذ هجوم الشاه اسماعيل الصفوي ملك إيران سنة 914 هـ على بغداد واستيلاء أولاده وأحفاده بعده كالشاه عباس والشاه صفي ، وحروبهم مع التركمان أولا وملوك آل عثمان ثانيا منذ عهد السلطان سليمان القانوني إلى دخول السلطان مراد إلى بغداد عام 1048 هـ .
كل ذلك وابناء الرافدين تقاسي مالا يستغرقه الوصف من القتل والتمثيل والانتقام والتنكيل ، وما إلى ذلك من ردم المدارس والمعاهد وتخريب المعابد والمشاهد ، خاصة في دار السلام بغداد .
وفيما لا ريب فيه أن تلك الحوادث المؤلمة أدت إلى القضاء على روح النهضة العلمية وشل يد الحركة الأدبية ، فتضاءلت أصوات العلماء وخمدت قرائح الأدباء ، فلا تكاد تسمع يومئذ للعربية وآدابها صوتا .
وإذا كان هناك آحاد من القوم يستحقون الذكر فقط طوى تأخر المؤرخين عنهم كثيرا ، وضربوا على أسمائهم حجبا كثيفا من الإهمال والخمول فعميت على الناس أخبارهم وانطمست آثارهم ، حتى انبرى إمام أئمة الأدب وأشهر أعلامه في القرن الحادي عشر العلامة الأديب الشهير السيد علي خان المدني المتوفي سنة 1119هـ فعرّفنا في كتابه " سلافة العصر " بأسماء بضعة رجال نبغوا في الحلة والنجف كانوا قد نشأوا في أخريات القرن العاشر ، وعاشوا في أواسط الحادي عشر ( عصر المؤلف) ثم اقتفي أثره معاصره ومادحه الشيخ محمد علي بشارة النجفي فترجم في كتابه الذي سمّاه ( نشوة السلامة ) لجماعة آخرين من الحلة والنجف وكربلاء ممن لم يصل إلى صاحب السلامة شئ من أحوالهم وتولدهما لما عرفت عن أولئك النفر شيئا "
وكما ألمحت ، ما أصاب العراق أصاب هذا الساحل الشرقي من الجزيرة العربية ، يقول الاستاذ المسلم في كتابه ( القطيف ) - ص 226 - " لقد قلنا : إن القطيف كانت في مقدمة المقاومين للاحتلال البرتغالي باعتباره امتدادا للحروب الصليبية ، فقاوموه أشد المقاومة ، وكانوا يرون الخلاص في الانضواء تحت ظل الحكم العثماني باعتباره القوة الاسلامية الكبرى التي تقاوم الغزو الصليبي ، ولكن الرياح جرت بما لا تشتهيه السفن ، فيحن استولى الاتراك ارهقوا المواطنين بالضرائب الباهظة ، مما أدى إلى ارتفاع الاسعار وارتكبوا أعمالا تعسفية فادحة ضد الأهالي ، والأنكر من ذلك انهم اثاروا النعرة الطائفية ، لاسيما حين تحالف البرتغاليون مع غريمتهم الولة الصفوية التي ما زالت الحرب سجالا بينهما ، فتردت الأوضاع من سئ إلى اسوأ ، وأدت إلى نشوب ثورات أهلية ، استمرت طيلة عهدهم ، وإلى نزوح بعض الشخصيات المهمة مع عوائلهم إلى الخارج ، وكان من جملتهم الشاعر جعفر الخطي الذي انتظم في بعثة سياسية إلى البحرين وإيران للاستنجاد بالدولة الصفوية ، وقد عَزَتِ السلطات العثمانية تلك الاضطرابات إلى تغلغل النفوذ البرتغالي ولى عملاء الدولة الصفوية ، حتى أنها عمدت إلى إغلاق طرق الحج عبر موانئ الأحساء والعراق "
ويقول أيضا معرّفا بشاعرنا أبي البحر - ص368 - : " هو أبو البحر الشيخ جعفر بن محمد بن حسن بن ناصر بن عبد الإمام الخطي ، ويرجع نسبه إلى بين عبد القيس ، ولد بالتوبي إحدى قرى القطيف ، وتلقى تعليمه وبرزت شخصيته كشاعر كبير يشار إليه بالبنان ، وصارت له مكانة مرموقة في الأساط الاجتماعية والسياسية في عصره ، وكان من جملة من غادروا القطيف من الشخصيات تبرما من الأوضاع التي سادت في العهد التركي "
ذكرت هذا لأصوب النظرة على موضوع العبقرية في شخصية الشاعر الخطي .
انها تتمثل في ما تميّز به بين أقرانه من شعراء عصره الذي عرف بعصر الدولة المتتابعة ، حيث لم تأسره الظواهر الفنية لشعر هذا العصر ، والتي من أبرزها الجمود على المقدمة الطللية التي التزمها عمود الشعر العربي منذ العصر الجاهلي مرورا بصدر الاسلام فالأموي ثم العباسي , وأخيرا عصر الدول المتتابعة ، فقد حاول شاعرنا التمرد عليها تشفيا بذلك اثر ابي نواس الشاعر العباسي الذي قام بالمحاولة قبله إلا أنه لم يفلح , وكما لم يفلح أبو نواس لم ينجح هو أيضا ، فقد بقيت ظاهرة الوقوف على الأطلال حتى عصر النهظة الأدبية الحديثة ، حيث استطاع الشعر الحديث تجاوزهما .
وهذا يدلنا على وجود نزعة التجديد عند الشاعر أبي البحر .
ولعل لهذه الروح التي يحملها اقتدر أن يمثل النموذج الأعلى لشعر هذه المرحلة من تاريخ الشعر العربي - وعلى الأقل في شعر بلدان هذا الساحل ..
وتمثل هذا التجديد عنده في الاسلوب والفكرة.
فقد تميز اسلوبه بصفاء الديباجة ويسر العبارة وانسياب الالفاظ في إطار عفية رابطت بينها ترابطا جعله النمط السهل الممتع .
كما تميز بوضوح الفكرة وفي جو تخالفها من الميسور وهي بعيدة من هنا وبهذا ابرزت عبقريته الشعرية .
وربما كان هذا هو سر خلود هذا الشاعر وسر شهرته التي لم يمتلكها شاعرنا آخر من معاصريه من شعرا ء القطيف والبحرين .
وأخيرا :
شئ يقدّر ويشكر أن يقوم الكاتب الكريم أبو الحسن التوبي بهذا التعريف لأبي البحر ولشعره ، كباكورة عمل لحلقات اخرى تنظمها هذه السلسلة الثقافية التي أرجو لها الاستمرار والموفقية انه تعالى ولي التوفيق وهو الغاية .[/align]