ها هو جهاد الزين الصحافي الكبير ، يكتب بدوره عن مونديال /2006/. مقدما دليلاً آخر على أن المثقفين والمفكرين العرب، مهما ازدادت مشاغلهم وتزاحمت همومهم، متنبهون إلى الدور الهام الذي تقوم به هذه اللعبة في العالم اليوم. وهم، إضافة للمتابعة اليومية التي يدل عليها استخدامهم للتعابير والاصطلاحات الخاصة باللعبة، والتي لا يدفع لها سوى استمتاعهم المعلن بهذه الفرجة الساحرة، يحاولون، أن يفهموها ويقيموها. وفي هذه المقالة التي نشرت بتاريخ 7/7/2006، يلقي جهاد الزين نظرة متفحصة في المضمون العرقي لهذه الظاهرة الإنسانية الكبيرة. خاصة وإن شعار الفيفا الذي اعتمد في مونديال 2006 كان: (قل لا للعنصرية). كما أنه سن القوانين الرادعة التي تطول إدارات الأندية والفرق والجماهير التي يثبت عليها أي تعامل عنصري مع اللاعبين.
فرنسا الملونة ضد ايطاليا البيضاء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يكثر خلال الحديث الفوتبولي عن تنافس الأسلوب الأوروبي مع الأميركي اللاتيني... أو عن تنافس "الدول الصغيرة" مع "الدول الكبرى" في كرة القدم... لكن أكثر من أي وقت سابق يبدو "المونديال" تنافساً بل صراعاً بين فرق ملونة وفرق بيضاء، ليس للانقسام القاري فيه التأثير الرئيسي.
اذا تبنينا هذا التوصيف العرقي لخط التنافس الأساسي، تصبح فرنسا في صف واحد مع البرازيل ونسبياً انكلترا، كفرق لاعبين ملونين ضد ايطاليا وألمانيا والأرجنتين واسبانيا كفرق لاعبين بيض.
فحجم مساهمة الملونين في فرق بعض الدول، تجعل الكفاءة في اللعب كفاءة المهاجرين الى البلد المعني، والحالة الفرنسية، هي الابرز الآن في هذا الاتجاه. فيما الفريق الايطالي هو فعلاً فريق من أبناء البلد الأصليين، والألماني طبعاً، حتى لو كان هناك احد الملونين ضمن التشكيلة الألمانية الأخيرة.
في الحالة الفرنسية لا يعبر "اندماج" الفريق اللاعب عن مستوى الاندماج الاجتماعي السياسي الفرنسي. على العكس يظهر دور الملونين الحاسم تحت موسيقى المارسييز الافتتاحية، عنواناً لأسطورة جميلة أخرى من أساطير كرة القدم ولكنه ليس تعبيراً عن واقع أوضاع المهاجرين الشمال إفريقيين والسود الذين كان فتيان منهم من نفس أعمار عدد من هؤلاء اللاعبين "يقودون" وينفذون أعمال شغب عنيفة في ضواحي المدن الفرنسية، وإحياء داخلها منذ اقل من عام. هل تتحول نجاحات "المهاجرين" في كرة القدم الفرنسية إلى محفّز مستقبلي؟ ربما. لكن أن يأتي "زيدان" أو "تييري هنري" من أحياء هؤلاء لا يعني أن الأزمة غير موجودة. إنها متفاقمة اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً.
ما هذه اللعبة المحض تراكلية تناطحية تدافعية، القادرة على أن تسحر معظمنا على سطح الكرة الأرضية؟ أسابيع نكاد لا نقرأ حرفاً فيها مسمّرين أمام الشاشات نتابع فرقاً "وطنية" تواكبها مشاعر وطنية في بلدانها وعصبيات عالمية في بلدان غيرها؟ إذن... بعض الانطباعات: إذا كان المقياس هو فوز الأكفأ في الملعب، فقد فاز الأكفأ في كل من مباراتي فرنسا البرازيل/ايطاليا ألمانيا... لكن لم يفز الأكفأ في مباراة فرنسا البرتغال.
أنا "برازيلي" الهوى في كرة القدم. لكن في تلك المباراة كان الفريق الفرنسي يلعب بروح "قتالية" لم يفتقدها الفريق البرازيلي فحسب، بل افتقد أيضاً "إبداعاته" الهجومية التي صنعت ميزة الكرة البرازيلية الخاصة، وهي هذا الرقص الهادئ السريع قرب مرمى الخصم... والذي ينتهي بالتسجيل "الساحر". كل هذا لم يظهر... وبدا الفريق البرازيلي باهتاً فيما زيدان وأعضاء فريقه يسيطرون تقريباً على وسط الملعب ويحققون وحدهم الهجمات الخطرة... فـ"الخطورة" على ملاعب كرة القدم يستشعرها الجمهور كمس كهربائي سواء انتهت بالتسجيل ام لا. وكانت الخطورة فرنسية عموماً الى ان انتهت بهدف اقرب الى "روح" كرة السلة، بين قدمي زيدان وتييري هنري.
الفريق الايطالي، كان أكثر إبداعاً من الفرنسيين في محاولات الهجوم على المرمى الألماني. "الماكينات" الألمانية لم تفقد قوتها، فقدت على ما يبدو طاقتها التسجيلية في اللحظة الأخيرة، فبدت اقرب الى الفرق الكبيرة "الثانوية" التي شاهدناها اول "المونديال" مع "ساحل العاج" و"اليابان" و"تونس"... فرق تملك كل تقنيات الحركة... لكنها تُشل أمام المرمى في اللحظة الحاسمة او تتشتت. ولا هذه البرازيل. ولا تلك ألمانيا. فهنيئاً للفرنسيين ثم الايطاليين.لكن في المباراة الأخيرة بين البرتغال وفرنسا، كانت الكفاءة برتغالية. بدا هذا الفريق الذي "اكتشفناه" خلال المونديال (ولم نكن نتابع انجازاته في البطولات الأوروبية) حاملاً لإمكانية دفاعية وهجومية تجمع بين نمطين أوروبي ولاتيني أميركي. خسر فريق البرتغال بلعبة الحظ، أو بقدر من أخطاء التحكيم... لا نعرف، لكن الانطباع الذي أعطاه انه كان أفضل من الفريق الفرنسي مساء الأربعاء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ جهاد الزين