في تلك الليلة .. ليلة تعود فيها القمر أن يكون بدراً.. جلست تتذكر شيئاً من عبراتها .. (ما زالت في مقتبل العمر) .. كانت ترسم آهاتها مع كل نسمة من نسمات هذا البحر الذي أحبته حباً جماً .. تعودت أن تقضي حياتها فقط لتلك الأمواج التي تأسر هدوئها .. تلك الأمواج التي تؤنس رغباتها .. كانت ترتدي تلك الحلي التي عشقتها وطالما جمعتها من شاطئ البحر لتصنع لعنقها عقداً .. وليدها سواراً .. أحبت أيضاً (بجامتها) التي تعودت أن تلبسها في هذا المكان ..ابتسمت للرمال التي يداعبها الموج بكل حنية .. نظرت عند قدميها .. والماء يسابق رذاذه هادئاً .. ليعانقها مع الرمال .. أحبت المشهد حتى الثمالة ..
فتحت أول صفحة لمذكراتها .. فعادت وجنتيها تفسح طريقاً لدموعها .. التي انسابت رغماً عن تلك الصفحات .. أحبت عشيقها الذي عاهد على اللقاء .. عاهد على الحب .. ذلك الحب الطاهر الذي ترعرع في وجدانها .. الحب الذي أعدت له الكثير من باقات حياتها المعطرة بورد الفل ورائحة جمال البحر ... الحب الذي أعدت له موسوعة جميلة من أقاصيص الحب والعشق .. كانت فراشة .. فراشة لا تعرف إلا أن تطير هائمة سعيدة ..أين اللقاء المنتظر ..أين العهد .. أين الميثاق .. كانت ومضة من سراب ...
أطلقت زفرة تحمل كثيراً من آهاتها المهزومة .. هدأت نبضات قلبها قليلاً .. أخذت تحكي للبحر عن آخر أخبارها .. ربما هي الآن سعيدة لأن صفحتها الأخيرة لم تكتمل بعد رغم أنها كانت تنبئ بخير ... أخذت تداعب قسمات الورقة .. وكأنها تفتقد شيئاً ثميناً تأمل أن يعود إلى أحضانها الدافئة ذات وقت .. تحققت آمالها دون أن تدري ولكن ليس هو بل كان شخصاً آخر .. من جنس حبها البريء .. تعاهدا على الحب .. ولكنها ما زالت تحمل في قلبها الأنين بين عهد سابق وعهد خائف .. أحب وأخلص لها .. حتى تداعى لها قلبه .. وأصبح يحبها دونما توقف .. ولكن سطور صفحتها ناقصة لا يعلم هل ستكمل كتابتها .. أم أن خوفها تغلب على حبها .. كان يأمل منها حباً طاهراً لا تمحيه الأيام .. يكون محفوراً في قلبها .. (قالت له: لن أنساك!)
هل تفي هذه الكلمة بما يحمل لها من جنون الحب .. إنه الآن ظامئ لسطورها التي أبت أن تكمل طريقها نحو قدر مليء بالسعادة .. نحو نهاية صفحة مزخرفة بأجمل الحلي الجميلة .. أم أن سطورها لن تنتهي إلا في ليلة أخرى من لياليها البدرية برفقة البحر ..
أغلقت كتابها..
معلنة توقف المشهد الأخير