الرحالة العرب والأجانب الذين زاروا اللاذقية على مدى قرون عديدة
- إن أقدم ما نطالعه عن اللاذقية هو ما قدمه المؤرخ (سترابون) في كتابه الموضوع قبل الميلاد، والذي جاء فيه:
((مدينة بحرية جميلة المباني، بالإضافة إلى مرفئها الرائع، أرض جزيلة الخصب بنوع خاص بالكرمة التي تؤمن أكبر كمية من النبيذ الذي يستهلكه سكان الاسكندرية.
- في عام (20) ق.م زار لاوذكية الإمبراطور الروماني أوكتيفان ويبدو أنه اهتم بتحسينها وتجميلها وتفيد المصادر بأنه أمر ببناء مدرج على السفح الغربي لإحدى الهضبتين اللتين تطلان على المدينة (هضبة الطابيات حالياً).
كانت لاوذكية في مطلع القرن الأول الميلادي مزدهرة وأبنيتها جميلة ومرفؤها نشيط وقد اشتهرت بنبيذها الفاخر الذي كانت تصدر منه إلى الخارج وخاصة إلى الإسكندرية.
- ومن الذين زاروا اللاذقية الشاعر أبو الطيب المتنبي وذلك في عام (933) م. وقد احتوى ديوانه قصائد عديدة في مدح الأمراء التنوخيين الذين حكموا الإمارة التنوخية التي قامت في اللاذقية ومن أشهرهم محمد بن اسحاق وقد رثاه قائلاً:
إني لأعلم واللبيب خبير
أن الحياة وإن حرصت غرور
وما كنت أحسب قبل دفنك في الثرى
إن الكواكب في التراب تغور
والشمس في كبد السماء مريضة
والأرض واجفة تكاد تفور
وحفيف أجنحة الملائك حوله
وعيون أهل اللاذقية صور
وقال المتنبي في قصيدة مدح الحسين بن اسحاق(29)
لك الخير غيري رام من غيرك المنى
وغيري بخير اللاذقية لاحق
هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنى
ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق
- وقصد اللاذقية الشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعري عام (1001) ونزل دير الفاروس وتلقى علوم الفلسفة اليونانية ودرس الديانتين المسيحية واليهودية وقد ذكر ذلك في أبياته الشهيرة إذا قال:
في اللاذقية ضجة
ما بين أحمد والمسيح
هذا بنا قوس يدق
وذا بمئذنة يصيح
كل يؤيد دينه
يا ليت شعري ما الصحيح
- ولعل أفضل وصف لها ما كتبه العماد الكاتب الأصفهاني الذي رافق صلاح الدين الأيوبي عندما فتحها سنة (584)هـ يقول:
((ورأيتها بلدة واسعة الأقنية جامعة الأبنية، متناسبة المباني متناسقة المغاني, قريبة المجاني رحيبة المواني, في كل دار بستان وفي كل قطر بنيان, أمكنتها مخرمة وأروقتها مرخمة وعقودها محكمة ومعالمها معلمة ودعائمها منظمة ومساكنها مهندسة ومهندمة وأماكنها ممكنة ومحاسنها مبينة ومراتبها معينة وسقوفها عالية وقطوفها دانية وأسواقها فضيّة وآفاقها مضيه, ومطالعها مشرقة ومرابعها مونقة, وأرجاؤها فسيحة وأهواؤها صحيحة.(31)
- وفي عام /1223/ زار اللاذقية الكاتب ياقوت الحموي ووصفها في كتابه معجم البلدان الذي يعتبر من أهم المراجع التي يعتمدها الباحثون.
يقول عن اللاذقية إنها مدينة في ساحل بحر الشام فيها أبنية قديمة وفيها مرفأ جيد وقلعتان ملتصقتان على تل مشرف من الربض والبحر على غربها وقد ملكها الفرنج فيما ملكوه في بلاد الساحل سنة 1106م – 500 هـ.
- ابن بطوطة وهو من أعظم رحالة العرب ومن الذين مروا باللاذقية أيضا أثناء رحلته إلى المشرق التي قام بها سنة 1325م، وأهم ماشاهده دير الفاروس وميناء المدينة قال (بخارج اللاذقية الدير المعروف بدير الفاروص، وهو أعظم دير بالشام ومصر يسكنه الرهبان وكل من نزل به من المسلمين فالنصارى يضيفونه وطعامهم الخبز والجبن والزيتون والخل وميناء هذه المدينة عليه سلسلة بين برجين لا يدخله أحد ولايخرج منه حتى تحط له السلسلة وهو من أحسن المراسي بالشام).
- أبو الفداء المتوفى عام /1331/م وهو من أمير من فروع الدولة الأيوبية يقول: اللاذقية من ساحل الشام وهي بلدة ذات صهاريج على ساحل البحر ولها ميناء حسن منفصل عن غيره وبها دير مسكون يعرف بالفاروس وهو حسن البناء.
- وفي عام /1477/م زار اللاذقية سلطان المماليك فايتباي في رحلة مشهورة وهذا أعظم سلاطين المماليك الجراكسة, ولم تكن رحلته عادية بل تفقدية للتحصينات الدفاعية لبلاد الشام، عندما بدأ ظهور خطر الأتراك العثمانيين في الأناضول وقد جاء عن اللاذقية ما يلي:
هي بناء عظيم محكم بها دكاكين كثيرة عامرة وخراب كان بها ثلاثة قلاع متلاصقات وهي واسعة الفناء عالية البناء فيها مخازن وبرجان على فوهتها، بهما سلسلة عظيمة وبها حمامات عامرة وخراب …
- أمّا الرحالة والشاعر عبد الغني النابلسي المتوفى عام /1731/م فقد قام بخمس رحلات هامة في بلاد الشام والأناضول ومصر والحجاز وزار الساحل السوري عام /1693/م وكانت اللاذقية تحت حكم قبلان باشا المطرجي وتتبع طرابلس وقد ورد في مخطوطه عن اللاذقية ما يلي:
بلدة من عمار حلب وهي الآن مستقلة،لها حاكم مستقل من أهلها وقاض يأتيها والقاضي من الأتراك وكانت اللاذقية آنذاك تتبع طرابلس حيناً وحمص أو حلب حيناً آخر.
- ومن الرحالة العرب المتأخرين الذين قصدوا اللاذقية الشيخ الأدهمي الطرابلسي المتوفى عام /1746/م على رأس جماعة من علماء الأزهر، انطلقوا من دمياط في مصر إلى طرابلس الشام وعبروا الساحل إلى اللاذقية عام /1737/م.
- الرحالة هنري موندريل الذي زار اللاذقية في 4 آذار سنة 1696م وكتب عنها قائلاً:
تقع على أرض مسطحة وخصبة على شاطئ البحر وقد بنيت من قبل سلوقس الذي سماها على اسم أمه.
الرحالة فولني عندما زار اللاذقية وهو من أصل فرنسي إذ قال:
تقع على شاطئ البحر تمتد بلسانٍ من اليابسة داخل البحر المرفأ هو نوع من المنتزه…
مدخله ضيق جداً واللاذقية تقوم بتجارة كبيرة وخاصة بالتبغ إذ يرسل إلى دمياط وتحصل على الرز بالمقابل وتوزعه على سورية العليا وتصدر القطن والزيت.
وفي زمن سترابون الجغرافي اليوناني كانت تصدر الخمر بدلاً من التبغ فتستهلكه مصر عن طريق الإسكندرية.
وفي عام /1816/م زار اللاذقية الرحالة م. دي كورانسي الذي قال عنها:
مدينة تمتد على شاطئ البحر والأراضي التي تحيطها مغطاة بالحدائق وأعمدة الغرانيت لا تزال موجودة ويوجد في طريق اللاذقية قوس نصر بأربعة أبواب أو مدخل على أربعة أبواب ويزين قسمه العلوي رسوم تعبر عن غنائم الحرب ونقوش عسكرية.
وفي عام 1831م في شهر نيسان كتب جوزيف ميشو رجان بوجولا:
كانت اللاذقية في العصور السابقة أكثر المدن ازدهاراً على الشاطئ وانقلبت عدة مرات من جراء الهزات الأرضية التي حدثت عام 1822م ويتاجر أهل اللاذقية بالتبغ مع البوسفور ومصر ويأخذون الحنة بالمقابل.
أما كارل بيدكر فقد زار اللاذقية عام 1912م وقال عنها إنها تقع في سهل خصب وتبعد مسافة ربع ساعة عن المرفأ وتتواجد المياه في كل مكان وعلى أعماق بسيطة.