في قرية شبه مهجورة تنام على كتف الجبل, لا تملك أي طريقة للتواصل مع العالم الخارجي إلا حافلة متهالكة لأحد أبناء القرية , يروح بها في الصباح الباكر من كل يوم ويغدو وقد بدأ الليل بنسج خيوطه السوداء رويدا ً رويدا ً .
عاش في هذه القرية الصغيرة أناس جمعهم الحب والرضا بما قسمه لهم المولى عز وجل من نعم, قد تبدوا تافهة بسيطة في نظر البعض ولكنها تستحق الحمد والشكر لله من أبناء هذه القرية الطيبين .
كانت حياتهم بسيطة مسترسلة كجدول صغير على صخر أملس , لا يعكر صفوها إلا بعض المشاكل الصغيرة والتي يحاول الجميع حلها وفي وقتها ولا تتعدى الخلافات الأخوية والتي تحل بجلسة صفا .
كانت الأعياد عندهم مميزة يحتفلون كأسرة واحدة في جو يملؤه الود والحنان , يتضامنون في الأفراح كتضامنهم في الأتراح .
ماذا حدث لهذه القرية ؟
ما الذي أجبر سكانها على التغير ؟
من الذي أشعل شرارة الكره التي أحرقت الجميع ؟
أسئلة كثيرة أخذت تجول في خاطر حكماء هذه القرية الوادعة .
عندما بدأ شبح التقدم والحياة الرغيدة التي أمنها تواجد بعض الموسرين رغبة في الهدوء والاستجمام ...
بدأ الأمر أشبه بحلمٍ !!
عندما جاء إلى القرية السيد حسَّان النمر ، وهو من
كبار التجَّار في المدينة ، وقد قال لأهل القرية إنَّه جاءهم بدافع من البحث عن مكانٍ قرويٍّ هادئٍ بين أحضان الطبيعة الساحرة ليبتعد عن ضوضاء المدينة وأمراضها ، فلم أجد أطيب من الناس هنا ، ولا أجمل من هذه القرية !!
وطبعاً اشترى أرضاً بأبخس الأثمان فهو تاجرٌ بارعٌ يعرف كيف يأخذ الغالي بالرخص ، وهم قومٌ طيبون لم يخالطوا المدينة وخبثها ، بل لو أقسمت امامهم أنك سافرت للقمر بسيارتك لصدقوك لإحساسهم بأنّ الآخر مثلهم لا يكذب فيصدقونك !!
ثم توالت الأحداث بسرعةٍ ، حيث جاءت السيارات محملةً بأغراض البناء وفي زمنٍ قياسيٍّ وخلال شهرين تمَّ كل شيءٍ ، فيلا من طابقين من الحجر الغالي ، ويحيطها حديقة أنيقةٌ واسعةٌ محاطةٌ بسورٍ كبيرٍ ..
خلاصة الكلام : أنّ الفيلا صارت محط أنظار الكثيرين ، بل أنّ بعض أهل القرية كان يفتخرون على أبناء القرى الأخرى بوجود السيد حسَّان وفيلته وسيارته المرسيدس الفارهة في قريتهم !!
وما علموا أنَّ هذا سيكون سبباً لزوال أمنهم ووداعتهم ودعتهم !!
وإلى الأبد !!
بدأت الأحداث تتوالى عندما بدأ السيد حسان يضم إلى فيلته عدداً من شباب القرية ، ولم يكن أحد يعرف ماذا يفعلون هناك ؟
بل لم يكونوا يعرفون لماذا ضمهم إليه ؟
فهم لم يروا الشباب يعملون في أراضيه ، ولا هم نزلوا إلى المدينة ليعملوا عنده !!
والحقيقة أنَّ إشارات الاستفهام كثيرةٌ حول هؤلاء الشباب ، فهم لم يكونوا على خلقٍ سويٍّ ، ولا يعملون في أراضي ذويهم ، ولا يتعلمون في مدارس، بل كما وصفهم المختار يوماً :
" كالحمار النافق الي لا يفيدُ في شيءٍ " .
أخذ هؤلاء الشباب بعد فترةٍ يمشون في أزقة القرية بطريقةٍ استفزازيةٍ ، صحيحٌ أنَّهم لم يكونوا يتدخلون في أحدٍ ، وإنَّما يضحكون بصوتٍ عالٍ ويقهقهون وهم يتبادلون النكت والكلام البذيء الذي يؤذي أهل القرية ولا سيما البنات ، وسكت الناس الطيبون على مضضٍ !!
ولكن بلغ السيل الزبى ، وتجاوز الحد ، واجتمع وجهاء أهل القرية يشكون الشباب إلى آبائهم ، ولكنَّ الآباء لم يستطيعوا فعل شيءٍ ، فهؤلاء الشباب لا يستجيبون لأحدٍ ، ثمَّ توجهوا إلى المختار الذي أنصت إليهم صامتاً ، ثمَّ قال :
" دعوا الأمر لي ؟ "
سأله أحدهم : " وماذا ستفعل ؟ "
قال : " سأذهب للسيد حسان وأكلمه بنفسي !! "
يا تُرى ما الذي فعله المختار ؟
وكيف كان لقاؤهما ؟
وهل حُلَّتِ المشكلة ؟
ذهب المختار إلى فيلا السيد حسان وكله أمل بأن الآخر سيستمع له وسينصت لما تعوده من أهل قريته البسطاء والذين ينزلزن كل شخص مكانه الصحيح من الاحترام والتقدير , لكنه فوجئ بطريقة الاستقبال ومن قبل ان تبدأ الجلسة فقد جعله البواب والذي كان أحد أبناء القرية المغمورين يقف طويلا بالباب ريثما يأخذ الإذن بإذخاله وكأنه من الغرباء أو من عابري السبيل الذين ينتظرون ما تجود به نفس أهل الكرم من عطايا وهبات.
ومع ذلك لم يلق المختار بالا ً لهذا الأمر لأن المصلحة من اللقاء أكبر من العناء الذي يتجشمه في طريق الحصول على هدفه.
وما إن احتواهم المجلس حتَّى بادر المختار قائلاً :
" يا سيد حسان تعلم مالك من مكانةٍ عندنا ، وقدِ استقبلناك واعتبرناك واحداً منَّا ، ووفَّرنا لك كل ما تطلبه منَّا "
سكت المختار ليرى أثر كلماته عليه ، فقابله ببرودٍ وقال :
" أوجز ما تريد يا عبد الباسط " .
ذُهِلَ المختار للطريقة التي خاطبه فيها مجرداً إياه من لقب المختار ، فهذا نذير شؤمٍ ، وبوادر عاصفةٍ ، واستخفاف لا يليق بمقام المختار ، والذي تابع بلهجةٍ جافةٍ خشنةٍ :
" يا سيد حسَّان لا يليق بي أن أقول لك حسان فقط ، يلوح لي أنَّ الأمور لم تعد كما كانت عليهِ ، المهم هؤلاء الشباب الذين يروعون شبابنا ونساءنا وشيوخنا بضحكهم هم جزءٌ منا ، قلا يليق بك أن تجعلهم ينقبلون ضدنا بهذه الطريقة الغريبة " .
بالبرود ذاته قال حسَّان : " والمطلوب " .
رمقه المختار بنظرةٍ فاحصةٍ وقال : " أن يكفوا عن أفعالهم التي تزعجنا " .
وقف حسان وقال : " وقت المقابلة انتهى !! " .
لم يحر المختار جواباً ، وخرج ساكتاً إلى الوفد الذي جاء بصحبته ولم يُؤذنْ له بالدخول ، ورأوا علامات التجهم على وجه المختار فعرفوا الجواب !!
وطيلة الطريق ظلوا صامتين احتراماً للمختار الذي كان يسير مطرقاً برأسه ساهماً واجماً .
وقال لهم المختار بعدما بلغوا ساحة داره :
" ادخلوا فأنا أريد أن نضع حلاً لاستهتار الشباب وغطرسة سيدهم !! "
دلفوا جميعا ً للمضافة التي طالما أوت عابري السبيل والمحتاجين وكانت أحد ألوية الكرم كابرا ً عن كابر , وجلسوا واجمين و كأن على رؤوسهم الطير , لا يقطع السكون إلا طقطقة حبات المسبحة في يد المختار وبعد احتساء القهوة المرة تصدى صهر المختار ( أبو محمد ) للموضوع وبشكل مباشر.
أبو محمد : لم تخبرنا يا مختار عما جرى بينك وبين السيد حسان وإن كنا نستشف ما جرى من خلال تعابير وجهك , فماذا جرى بالله عليك ..؟
المختار : على ما يبدو أن الموضوع سيشغل بال هذه المنطقة ككل وليست قريتنا الصغيرة ولفترة طويلة من الزمن والعلم عند الله.
أبو محمد : بالله عليك يا مختار .. نريد منك إطلاعنا على ما جرى وبالتفصيل الممل وكلنا آذان صاغية.
المختار : لم تستغرق المقابلة أكثر من خمس دقائق بدت لي و كأنها خمس سنوات.
ثمّ تكلَّّم المختار بِما جرى ، وما إن فرغ من كلامه حتَّى تعالت صيحات الغضب والاحتجاج ،
أبو محمد : " أكرمناهُ وأضفناهُ ، فعضَّ يدنا !! " .
أبو خالد : " هذه طباع اللئيم " .
أبو حسن : " لا يجب ان نسكت له " .
أبو بسام : " يجب أن نوقفه عند حده ! " .
المختار : " يا جماعة اهدؤوا من فضلكم !! " .
سكت الجميع فقال المختار : " بهذه الطريقة لن نصل إلى حلٍّ ، نحن نريد أنَّ نتخلَّص من السيد حسان ولكنَّنا يجب أن نحسن اختيار الطريقة " .
أبو بسام : " وكيف ؟ " .
ابتسم المختار بغموضٍ وقال : " دعوا هذا لي ! " .
أبو محمد كعادته و بأسلوبه المتسرع : يجب أن تطلعنا على ما تفكر به , ويجب أن تطلعنا على الخطة بما أننا سنتولى التنفيذ .
المختار : دع عنك عناء التفكير أبو محمد فقد لا تحتاج الخطة إلا لشخص واحد لتنفيذها , والخطة اصبجت جاهزة بمخيلتي "ولا داعي لكثرة الطباخين كي لا تحترق الطبخة ".
أبو محمد : على ما يبدو يا حضرة المختار أنك لم تعد تثق بنا .
الجميع تقريبا وبصوت واحد : عليك هذه المرة التحلي بالصبر يا ابو محمد ولو أنه أمر يشق عليك.
المختار ضاحكا ً : هذا هو ابو محمد ولو بعد مئة سنة سيبقى يفكر بنفس الطريقة .
يضحك الجميع وتبدأ سحابات القلق التي تلبدت في الجو قبل جلوسهم بالإنقشاع ليحل محلها جو من الود والمرح بعد أن تأكدوا أن مختارهم الحكيم سيجد حلا ً لهذه المشكلة.
ومن ناحية أخرى فقد بلغ التمادي بزلم السيد حسان أبلغ مدى , فأصبح تواجدهم في السوق الصغير - وهو عبارة عن عدة دكاكين اتفق أهل القرية على تسميتها سوقا ً - فكانوا يشيعون جو من التوتر والقلق بين أهل هذه القرية البسطاء , وأصبحوا لا يدفعون ثمن ما يشترونه أو يستولون عليه عنوة وتحت تهديد السلاح في أغلب الأحيان .
ضج أهل القرية من هؤلاء المرتزقة المتبطلين لدرجة أن أصحاب الدكاكين فكروا بإغلاقها ريثما يجد لهم مختارهم الحكيم الحل الشافي والدواء الناجع لهذه المشكلة التي بدأت بالخروج عن السيطرة على ما يبدو .