قـصّـة - رجلٌ عَشِقَ كَمــانهُ .. !
مسكَ كمانه الذي طالما شكى له فرحه وحزنه .
عزفَ عليه بشغفه وبحزنه . يوم أنْ كان مريضاً سأم رقاده على سريره
ويوم أن كان سعيداً تعب من قفزاته بصرخات طفولية .
في صباح يومه الشبه عادي ، تناول إفطاره ، حمل نفسه مرتدياً
بذلة مهترئة بترتيب ! وكمانهُ البنيّ الصغير بنوتاتهِ داخل حقيبة سوداء
ونزل إلى الشارع بجانب عامود الإضاءة الذي أصبحا صديقين بدون سابق إنذار
فتح حقيبته وتناول كمانه وبدأ بنوتته الحزينة ،
كتلك التي اعتنقها حبّا بعد وفاة زوجته جرّاء مرضها.
الصباح يبدو هادئا في ذاك اليوم ، لا أحد يمرّ في بردٍ كهذا .
وإن مرّ أحد يظن أن العالم جميل بحيث أن الشارع يغنّي حبّا للأقدام التي
تدوسه غير مكترثة !
أصبح هذا الرجل ذو القبعة السوداء وبأشباه قفازات صوفية ، هو والشارع صديقان
يجتمعان طيلة يومهما بينهما طاولة عمل ، ويتشاركان الحديث والصمت ، الشكوى
والبشرى .
الفرق الوحيد بين الصداقة وهذا الرجل مع شارعه ، أن لغة الحديث والشكوى هي
عزفه وطقطقة
النعِل من الشارع !
لم يكن يمر في ذاك اليوم أحد ، ولم يتطلع في الرجل سوى أشخاص ملكوا عدّة قطع
نقدية مستعدين
للتخلي عنها في أيامٍ بخسةٍ كهذه ، لم يكن هناك أحد متفرغ حقاً لأن يستمع
لفنّه الذي يجلس
عند نونتته ليالي عدّة ليتقنها ، وهم يعاملونه كمن يمدّ يده ويشتم ليتقاسموا
الناس مالهم معه !
لم ينظر أحدٌ حقّاً إلى عينيّ الرجل الحالمتين وهما تعزفان ألحاناً متقنة ،
لم ينتبهوا له حتى حينما ركلوه
مراتٍ عديدة حتى صدمَ ركبته في عامود النور الذي بجانبه فتألم لدقائق .
الفتاة التي تعمل أمام المقهى وراء عامود النور ،
التي كانت سبباً له ليتخذ هذا المكان عملاً دائما
له ، وهو الذي لا يحبّ أن يحتكر فنّه في مكان واحد ،
مضحك أنه يعتبر نفسه فناناً حينما اعتبره العالم مجرد متسول آخر يزاحم الشارع
!
هي نفسها الفتاة التي اعتبرها مصدر إلهام لذاتهِ ومصدر شغفه ،
يلّمح لها كثيراً ويهديها معزوفاته لها كثيراً ، لكن لم يتكلم لها بصوتٍ عال
،
فقط اكتفى باعتقاده أن موسيقاه تحكي عنه القصائد .
وهي نفسها الفتاة التي أتت لتطرده من هذا المكان ،
بحجة أن مديرها لا يسمح بالمتسولين أن يتسكعوا
حول مقهاه ، معهم حق ، تكلفة كل هذه الزينة بديكوراته الرائعة
لا تسمح لمتسول مع كمان أشهب ليعكسا صورة سيئة على المكان !
حمل نفسه من مكانه ، بحثاً عن عاموداً آخر ،
ليجمع صداقات أخرى مع شارع وصندوق قمامة آخر
ووعد نفسه ألا يعود هنا ، خاصة بعد لهجتها الحادّة .
معها حق هي الأخرى ، النادلة أفضل بكثير من متسول تصدر منه أصواتاً غريبة
تُسمّى فنّاً !
قبل أن تغيب شمس ذاك اليوم . وُجد الرجل قد قطع إحدى خيوط كمانه وعصر معصم
يده اليسرى
حتّى مات وسقط على حقيبته السوداء المحتوية على ما يكفي لقارورة ماء وقطعة
حلوى !
كان من الممكن أن كارثة كهذه ألا تحدث فقط لو أعطوه نصف دقيقة من أيامهم
ليستمعوا له ،
وتعطيه هي أذن واحدة لتسمع تلك الإهداءات التي طالما حاول أن يغمز لها وهو
يهديها ولم تستطع
عينه أن تتلقى أمر عقله برحابة صدر !
فقط لو أنه صَرَخَ بكل ما يملك ، لانتهى كل شيء ، لكن لم يجرؤ على فعلة كهذه
، حين كان من
المتوقع أن يزج إلى السجن بتهمة الإزعاج ، أو المصحة بتهمة جنون المتسول !
لكن لـمَ يكترثون ويفعلون كل هذا ، حينَ لم يروا ما حصلَ في ذاك المغيب كارثة