من سِماتِ الحبيبة
( اغتربْ تتجدّدْ ) مقولة قديمة لي عليها تحفّظ . فهي تعني – ضمناً – أنّ من يغترب يسلخ عنه قديمَه ، ويلبس جديداً ! وهذا غير صحيح ألبتّة .. لا يُمكن إلاّ لأفعى أن تنسلخ ، فتجدد جلدَها ! أما الإنسان فقديمه جزءٌ منه ، من نفسه ، من أنسجته ، لا يُمكن أن يطرحه بالاغتراب ، ولا بغيره . أعتقد لو قالوا : ( اغترب تزدَدْ ) لكانوا على صدق وحقّ ، فالغربة – فعلاً – تزيد معرفةَ الإنسان وخبرته الحياتيّة ، وتوسّع أفقه ، وتجعله يرى نماذجَ بشريّة وإنسانيّة ما كان له أن يراها لو بقي طوال عمره في بلده لم يُغادره .
لقد كتب الله لي – عن طريق الفقر – أن أغرّب ( إلى ليبيا ) أبحثُ عنه ، فعدتُ مديوناً ! ولم أكن أدري أنّه ههنا في الشرق ( في الخليج ) ،وأنا أتحدّث عن ( رزقي ) ..
موضوع كلامي ليس هنا ، وإنما أردتُ أن أحدّثكم مما سمعتُ وشاهدتُ ، مما يتعلّق بموضوعي الذي اخترته لكم اليوم ، وهو سمات الحبيبة ، وأنا أعني ( اللاذقية ) .. لأن لها سماتٍ في جوانب عدة لم أكن أعرفها ، أنا الذي عشت في حضنها أكثرَ من ثلاثين سنة أتأمّلها وأمعن في تقاسيم وجهها ..
في اللهجة :
- هل تعلمون أن لهجة اللاذقيّة تمتاز بالرقّة والحنان والتدليل للمسمّى ؟ كل اللهجات فيها فتحة وضمة وكسرة فقط ، أما لهجة اللاذقية ففيها – إضافة إلى ذلك – الإمالة .. وهي حركة بينَ الفتحة والكسرة ، تُعطي اللفظة رقّة وتحبباً مميّزاً . مثال على ذلك الكلمات التالية وهي شواهد فقط : ( زاروبة – مِنْشِيّة – شُوكة .. عصرونيّة – مِيلانة الخ ) فحركة الباء والياء والكاف والنون ليست الكسر بل الإمالة كلفظ حرفa بالإنكليزيّة . وحتى تستشعرون الرقّة التي أتحدث عنها حاولوا لفظ هذه الحروف التي أشرتُ إليها بالكسر أو بالفتح ، ولاحظوا الفرق .
وكذلك مما يُعطي لهجـة أهـل اللاذقيـة تلـك الرقّـة و ( الحنّيّة ) التصغيـر ( مع الإمالـة ) ، مثـل ( شْميسة – جْنينِة – سْميكِة – حْبيبلاسْ ..الخ ) .
في الطعام :
- من المآكل التي انفردت بطريقتها اللاذقية : ( الصفايح ) فهي تُحضّر في اللاذقيّة بطريقة تختلف عن البلاد الأخرى ، حتى المدن السورية الأخرى ، فأهل اللاذقية يرققون العجينة جداً ويدوّرونها ويكبّرونها ، والحشوة من لحم الغنم الناعم جداً مخلوطاً بالخُضار .. وغيرهم يسمك العجين ويصغره ، ويجعله بيضاوياً ، واللحم من غير خُضار ، أو متبّل بدبس الرمان .. وقد يكون من غير لحم الغنم .
ومن الحلويات : الجزرية ، واللوزينا ، والجوزيّة ، لم أجد أحداً يعرفها إلا في اللاذقية .
أما ( الكنافة ) فلا أحد يُحضّرها كما يُحضّرها أهل اللاذقية وأهل جبلة : طبقتان من الكنافة بينهما طبقة سميكة من الجبنة الحلوة ، تُشوى بالسمن الجيّد على نارٍ هادئة وبأيدٍ صَناع حتى تخرج شقراء على الوجهين ... عطشى للقطر .. لم أر مَنْ يُحضّرها هكذا أبداً .. الكنافة التي يعرفها الآخرون ويتلذذون بأكلها ، صدّقوني لا تُباع عندنا ، لأن لا أحد يشتريها ! طبقة رقيقة من الجبن المالح ، أو من القشطة ، فوقها طبقة رقيقة من الكنافة الملوّنة بالصباغ الأصفر ..
في التسميات :
البطيخ الأخضر يٍُسمى عندنا في اللاذقية ( جبس ) ولا أحد يسميه هكذا إلا أهل اللاذقية .. وهو في الداخل ( بطيخ أخضر ) ، وفي ليبيا ( دَلاّع ) وفي الإمارات ( يِحْ ) .. وهناك تسميات أخرى كثيرة .. إذا بدأت بذكرها طال الكلام أكثر من اللازم .
طيّب ، الآن أنا أدعوكم إلى أن تُشاركوا في هذا الموضوع : كل من يعرف سمة مميزة تنفرد بها اللاذقية – مدينة وريفاً – في أي ناحية من النواحي ، مما ذكرت أو غيره ، فليُشارك بما يعرف على أن تكون المشاركة بالفصحى ، والشواهد العامّيّة بين قوسين .. لعلّنا نزيد في جلاء وجه هذه الحبيبة للآخرين ، فنزيد حبّها حباً في قلوبهم .. وموسم السياحة على الأبواب .
وتقبّلوا تحيّاتي