هذيان
حقيقةً كـانَ لا يـدري ما بِـهِ !!
هلْ هوَ يائـسٌ ؟ .. أمْ يَحْفِزُهُ أمـلٌ إلـَى شَـيءٍ مـا ؟ ..
حَـقَّاً هوَ حائـِرٌ حـيْرَةً أبديَّةً .
ينظرُ إلى الأفُقِ فيراهُ داكِـناً ، فتلْـتهِمُهُ كآبـَةٌ مريرةٌ ، فيطرِقُ برأسِهِ الْمُثقَلِ بالْهمومِ ، وبعدَ لَحظاتٍ تَطويهِ كالسـِّنين الْعِجافِ يدْفنُـهُ الصَّمتُ فيها ، يرفعُ بصرَهُ الْمُدْمَى ، فيرَى الأفقَ مُتوهِّجاً بنورِ الشَّمْسِ الأصفَرِ ،فيَغْتَصِبُ ابتسامـةً بَـلْـهاءَ يُوجِّهُها إلَى .. لا شيء !! وحينَ نَـهضَ يَمشِي مُتثاقِلاً اِنقضَّ علـيهِ الْمجهولُ لِـيفْتَرِسَهُ بأنيابٍ مُتساقِـطةٍ ،فصفَعَهُ بقوَّةٍ لَـمْ يعهَدْهـا فِـي نفْسِهِ، ثُـمَّ اِنكَـفأَ علَى ذاتِهِ ،وطَفـِقَ يضحَـكُ .. ويضحَكُ مُقَهْقِهاً حَـتَّى دَمعَـتْ عيناهُ . ثُـمَّ تَشَنَّجَ وَجْهُـهُ فَـجْأَةً، وارْتَسَمَ عليْـهِ ذُعْـرٌ حَادٌّ مَصْحوبٌ بِأَلَـمٍ مُباغِـتٍ شديـدٍ فَظِيـعٍ انْبَعَـثَ فِي صدْرِهِِ ، وهَوَى خامِداً بعْدَهَا ..
اِقْتـَربَ منـْهُ قِـطٌّ كانَ يُراقِبُهُ وهوَ يلعَقُ شَفَتيْهِ ، وكـادَ أَنْ يلْتَهِمُهُ عَشَاءً لَهُ، ولكنْ باغَتـَهُ رجلٌ قادمٌ صُدْفَـةً فطـَردَهُ ، وانْحَـنـَى يَجـِسُّ نَبـْضَهُ ، ويَتَحسَّسُ أنفاسَهُ ، ثُـمَّ هزَّ رأسَهُ أسَفَاً يَنْعاهُ ، وذهبَ تارِكاً إيَّاهُ مَرمِـيَّـاً بيـنَ أكوامِ الْقُمَامَةِ ..
وبعدَ سَاعةٍ رمَشَ جَفْنـَاهُ ، فاستيقظَ مِنْ حلْمِهِ مسْروراً ، وهرعَ إلَى مَهْـدِهِ .
تناولَ عُودَهُ ليعْزِفَ أجملَ ألْحانِـهِ ، وانتبَهَ - بعدَ عزفهِ للحنٍ جميلٍ يعشقهُ - إلَى أنَّ أوتارَ العُودِ مقطوعَةٌ .. فرمَـاهُ !
وأسرعَ إلَـى مَرْسَمِه ، ليـرسمَ من دونِ ألوانٍ لوحَـةً خـلاَّبَةً بِفـرشـاةٍ ليسَ لَهَـا ريشٌ !!
ثمَّ أمسكَ قَلَمَهُ لِيُدَوِّنَ أحْـلَـى قصائدِهِ علَى الإطلاقِ ، غيرَ أنَّ الكـَلماتِ التِي اعتصمت في حاويةِ ذهنهِ ، رفضَتْ أنْ تُفارِقَ مُخيِّلَتَهُ لِتتدفَّقَ مِـنْ شفتيهِ إلَـى قَـلَـمِـهِ !!!
حينَ ذاكَ عادَ إلَـى أكوامِ الْقُمامَـةِ ، ورقدَ بينَها يُحدِّق إلى النسورِ في السماءِ تطير بغير رفرفةٍ لجناحيها .