" زينة " كانت متخلّفة عقلياً منذ الولادة – بحَسَبِ نساءِ الحارة – ومع ذلك أصرّ أخوها الأكبر " الشيخ سامح " على تزويجها ! وكان أن زوّجها من بائع عصـير متجوّل اســمه " مصطفى " وهو دمشقيّ أتى إلى اللاذقيّة منذ عدّة سنوات . كان يقضي نهارَه يبيع العصير قرب " سوق الخضرة " في البازار، وليلَه في ارتيادِ المقاهي ! ثم ما لبث أن ترك زوجته المسكينة مع طفل وطفلة – مُهنّد وسَحاب – وغادر إلى أهله في دمشق ولم يعـد أحد يعرف عنه شيئاً ! وقامت الجَدّة " أمّ زّيْنة " وهي عجوز مريضة بالعناية بالثلاثة معاً لسنوات طويلة ، حتى وافاها الأجل !
تزوّجت البنت " سَحاب " من صيّاد سمك ، وتزوّج " مُهنّد " أختَ هذا الصيّاد وبزواجهما غابا في التاريخ ! أما " زينة " فساحت في شوارع المدينة لسنوات وسنوات تأكل مما تشحذ وتنام حيث تتعب نصفَ عارية، وبقايا إنسان ! على مرأى ومسمع من أخويها :" الشيخ سامح " والمقاول الكبير " مُختار " ! وعلى مرأى ومسـمع من أخواتها أيضاً ، ومن أبناء هؤلاء جميعاً !
ولطالما حاولتُ – جاهداً - مع أخيها هـذا وأخيهـا هـذا أن نحفظها من الشـارع في غرفة من غرف بيوتهمـا أو في " دار العاجزات " على أسوأ حال .. فكان كلٌ منهما يُحيلني إلى الآخر متذرّعاً " بظروفه الخاصّة " !
وكثيراً ما كنتُ أبحث عنها في شوارع المدينة – قبل سفري - فإذا رأيتها تفترش الرصيف أو تستند إلى جدار أقترب منها وأجلس بجانبها ، وأسألها حاجتها ، فتنظر إليّ زائغةَ العينين ، مُتعبةً في أسْمالِها وتتمتم ببعض العبارات المُبهَمـة ثم تمـدّ كفّها إليّ فأعطيها بعض النقود وأنصرف !
وبعدَ أنْ سافرتُ كنت أسأل عنها أمي وإخوتي في كل إجازة أعـود فيها إليهم وأحرص في كلّ مرّة على أن أعطي أولادي ما يتيسّر من المال ؛ يحتفظون به ليعطوها إيّاه ، إذا مرّوا بها في أيّ مكان ..
وأخيراً أخبرتني أمي أنهم عثروا عليها ميتة في مدخل إحدى العمارات ، وقام بدفنها أحدُ الخيّرين !