أطلَّ من نافذته إلى الفسحة السماوية التي يستطيع من خلالها أن يرى نافذتها..... نافذةٌ ذات زجاج أبيض و ستائر وردية تماماً كالأيام التي قضاها معها....و قرر أن يطلق العنان لأفكاره ......
عادت به الذكريات إلى عام و نصف مضى ....كان فيها حبه غضاً لين القوام لم يمض عليه أكثر من أسبوعين.... لا زال يذكر كيف نسي كل شيء حوله... امتحانه .... دراسته.... ليستحضر طيفها ..... و ليذكر كلماتها و هي تقول له ( بحبك و الله بحبك )......
.
.
.
ترك أفكاره جانباً .... ليستمع إلى إحدى مسجلات الجيران و قد صدح فيها العندليب الأسمر "اه مش نصيبي ...لكن حبيبي"....
.
.
لقد أعادته هذه الجملة إلى الأفكار التي حاول أن يهرب منها منذ برهة.....لم يستطع أن يقاوم.... وهكذا للمرة الثانية في غضون دقائق ترك الواقع ليبحر مرة أخرى في عالم الخيال.....
.
.
.
سأل نفسه سؤالاً واحداً لكنه لم يستطع الاجابة عليه "هل أحبها " ؟؟؟؟
بصراحة لا يستطيع أن يقول أنه يحبها ..... فكم مضت من أيام دون ان يذكرها.... ربما كان يحبها فقط لأنها تشعره بوجوده ... أو بذلك الإحساس الدافئ الرائع الذي يصعب شرحه....
ولا يستطيع أن يقول أنه لا يحبها اذ إنه حين يراها أو يسمع صدى كلماتها على هاتفه ... أو كلماتها الرقيقة التي تزين رسائله....يحس بنبضات قلبه تتسرع ..... ولا يستطيع ان يقول أنه يكرهها......لأنه لا زال يتمنى لها الخير " .......
لم ينس كيف كانت نظراتها التي ترسلها من عينين كحيلتين تحادثه...تلهب عواطفه .... تدغدغ إحساسه.... تحيله طفلاً صغيراً.....
.
.
.
مرّ شريط الذكريات امامه ليذكر كيف صدمها و أسال دمعها حين أخبرها بأن وضعه لا يسمح له بالإرتباط حالياً....فالتزاماته تطوقه و واجباته تخنقه... يومها أخذ الموضوع ببساطة... و اعتقد بأنه من الممكن له أن يعيش بعيداً عن حبه الأول.... حبه الأوحد ... يومها لم يعتقد أنها حبيبته...باختصار كان يجهل دهاليز علاقته بتلك الفتاة....
.
.
.
حين رضخت الفتاة لمطالبه بأن يبقوا ( حبايب ) حالياً دون مناقشة التفاصيل كان يظن بأنه هزمها.... بأنه صرعها حباً ... بأنه فارسها و لا أحد سواه.... لا أدري.... ربما أحس بنشوة السطوة..... سطوة الرجل الشرقي و حبّه للسيطرة.....
.
.
وجرى شريط الذكريات من جديد , واستوقفته ذكرى ذلك اليوم الذي قرر فيه أن ينزل و إياها إلى الشارع في ليلة صيفية من ليالي آب لكنها و لحسن حظه كانت تٌمطر... أمطرت لمدة لا تتجاوز نصف الساعة و لكنها كانت كفيلة بتأجيج مشاعر حبه لها....
سارا معاً تحت المطر... يا لها من لوحة رائعة... تحتاج لرسام متقن لرسمها... لوحة الشعر الأسود المبلل و البشرة المتوردة و النظرات الصافية....و كأنها وردة أينعت....
.
.
.
يرّن هاتفه ...( عمري ما خفت بحضنك عمري.... عمري ما ح أعشق بعدك عمري.... و كل الباقي في عمري يا عمري.... حعيشوا معاك معاك يا حبيبي).....
أخبرته بأنها تريد مقابلته..... ظنه كأي لقاء ... و لكنه لم يكن يدري بأنه يسير إلى مصرعه.....
.
.
مضى اليها ...مضى الى مصرعه بنفسه... قصد المقهى الذي ضم أحلى جلساتهما.... تناولت حبيبته القهوة دون أن تتفوه بكلمة واحدة... كانت شفتاها زرقاوتان على غير عادتهما الوردية....
أكمل شرب قهوته ونظر الى اللوحة أمامه و هو يسبر أدق تفاصيلها .... تحركت إحدى مقلتيه فجأة نحو إحدى يديها ...ليخبره دماغه بأن ما يراه هو خاتم..... أجل..... خاتمٍ يلمع في يمينها .....أحس بصداع تغلغل في رأسه.....مفاصل جسمه بدأت تألمه كما لو انه ألقي من جبل شاهق...... أحس برغبة عارمة بضم حبيبته إلى صدره .... بكسر أضلاعها.... لكنه....نظر اليها نظرة الوداع وخرج من المقهى....
لم ينطق بكلمة واحدة.... و لا كلمة..... لقد شلّ الموقف لسانه.... لم يكن يدري أن يحبها لهذه الدرجة.... نعم لقد اكتشف متأخراً أنه يحبها .... يحبها.... يحبها.....في طريق عودته رأى نوع حبيبته المفضل من الشوكولا ... كانت هي أول من أذاقه إياها.... اشترى ما تيسّر من حباتها الذهبية عسى أن تذكره بها.... في الطريق رأى متشردة تحمل طفلها.... دون وعي .... توجه إليها... أعطاها شوكولا حبيبته...و قرر العودة إلى بيته......
.
.
بدأت عيونه تصبّ دمعاً حارّاً....لم يكن يدري بأنه يملك مثل هذه المشاعر الفيّاضة.....لقد كان يعتقد بأنه دفنها و تخلّص منها للأبد.... استقلّ الباص...و ركن خده إلى النافذة ...... أضواء المدينة أخفت دموعه.....رنّ هاتفه كثيراً .. لقد كانت هي.. لم يكن يدري ما الذي ستشرحه له.... قرر أن يغلق هاتفه......عاد الى المنزل ... أغلق نافذته التي ضمّت اللقاء الأول وقرر ألا يفتحها بعد اليوم ...
.
.
ربما أراد أن يعبر عن حبه لها.... فتح أبسط برنامج لتحرير النصوص على حاسوبه.... خط ما تيسّر له من كلمات....و قرر أن يختمها بـــ
وداعاً..
.
.
وداعاً...
.
.
حبيبتي
.
.
.
اللاذقية 8 إيلول 2006