التشتوشية الثامنة : كرويات






بدأت بسلامتها في الآونة الأخيرة تتابع بطولة أوربا 2008 وبشكلٍ عجيبٍ
أكثر مني شخصياً ..
قبل بدء أي مباراة تكون قد جهزت البزورات والمندرين بالحجم العائلي ،
ومن تقاليعها الغريبة أن تلبس ثياب الفريق الذي تشجعه، وتخيلوا منظرها
وهي في حجم الفيل وتلبس البلوزة والشورت ..
والويل كل الويل لمن يقاطعها خلال المباراة، حتَّى إنَّها لا تُجيب على هاتف أمها
لو اتصلت بها خلال المباراة ...
ووجدتها فرصة لأجلس في الشرفة وأشرب فنجان قهوة و(نَفَس أركيلة) خلال المباراة،
ورغم كوني من محبي الرياضة وخاصةً كرة القدم، وبالذات القدم الأوربية التي أعتبرها
أرقى من بقية كرة العالم، ولكنَّها فرصةٌ لأتنفس بعيداً عنها .. ولو سجَّل فريقها هدفاً فإنَّها
تملأ الدنيا صراخاً يعدل صراخ فيلٍ متألمٍ، ترتج له جدران البناية..
وذات مرةٍ شكا جارنا (أبو النور) الساكن تحتنا من ضوضائها وجلبتها حتَّى ما بعد
الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل، وهو رجلٌ يستيقظ باكراً ليذهب لعمله، فقلْتُ
له : " إنَّك تعلم أنَّها مؤذية ولا أجرؤ على مخاطبتها في هذا الموضوع فافعل أنت فلربَّما
تحترمك لأنَّك جارها".
وصدَّق المسكين وذهب إليها وأنَّبني ضميري لأنَّني كنْتُ كمن يلقي بقطعةِ لحمٍ لنمرٍ ضارٍ
جائعٍ .. ولحقْتُ بهِ لأرده عنها وقبل أن أدركه عند الباب كان قد عاد مذعوراً وهو يقول لي :
" أعوذ بالله ... ما هذه المرأة إنها وحش أعانك الله عليها يا أخي ؟ " .
المسكين بدأ يعذرني على بليتي ..
وبدا لها أنَّ راحتي لم تعد تروق لها، وجلستْ تقدح زناد فكرها كيف ستقلق راحتي؟
وبالفعل بدأت تنظر لي شزراً لو خسر فريقها وكأنَّني المتهم الوحيد بخسارته..
بل اتهمتني صراحةً أنني سبب خسارة فرنسا أمام هولندا برباعيةٍ ثقيلةٍ ..
فقلْتُ لها : " لكنَّني لا أحب الهولنديين .. ولا جبنهم ولا حليبهم ... "
قالتْ : " بل تحبهم وأنت سبب خسارة فرنسا " .
الله يخرب بيت ميشيل بلاتيني ومنتخبه وبرج إيفل .. فقلت لها : " وكيف ؟ " .
قالت لي : " كنت تدعو في سرك أن يخسر منتخب فرنسا ؟ " ..
وهكذا تخلق للمشكلة ألف سببٍ غير حقيقيٍّ ..
رغم أنَّني سعيدٌ لخسارة فريقها، فكلُّ ما يغيظها يسعدني .
******* ******* ******* *******
رغبتها في احتراف كرة القدم مثل رونالدو آخر صرعاتها رغم أنَّني لم أجد علاقةً
بين رونالدو وكأس أوربا من جهة وبين رونالدو وزوجتي من جهةٍ أخرى سوى أنَّ
كليهما – رونالدو وزوجتي قبيح وسنهما من الأمام مفتوح (كشرة باللاذقانية)..
وبعد اعتراضٍ شديد اللهجة منِّي وشدٍّ وجذبٍ، وأنا أجادلها بأنَّ قوامها الفيلي (نسبةً
إلى الفيل) لا يناسب لاعبة كرة قدم..
المهم وكالعادة غصباً عنِّي التحقت بمدرسة لتعليم الكرة للسيدات، وتبيَّن لي أنَّني كنْتُ
مخطئاً عندما عارضْتُ مسألة لعبها كرة القدم، فقد انشغلت بسلامتها بالتمارين طيلة
الفترة بعد الظهر، وبدأْتُ أنام براحتي وأجلس وحدي في الشرفة مرتاحاً، وأتابع التلفاز
وأزور أصحابي ....
ثُمَّ ...
جاءتني بعد شهر وسلَّمتني تذكرة لحضور مباراتها الأولى بكرة القدم، بين فريقها وفريق
آنسات منتخب قبرص، ولا أدري لماذا تذكرْتُ المقولة التي اشتهرت في اللاذقية (حمار
قبرصي)؟!
حاولْتُ التهرُّبَ من الحضور ولكنَّها أصرَّت كإصرار النملة على حمل حبة قمحٍ تسقط منها
كلَّ حينٍ ولكنَّها تُصرُّ على حملها..
**** **** **** **** ****
في اليوم الموعود ...
رأيْتُ حشداً كبيراً من الجماهير، واستغربْتُ !!
وما إنْ جلسْتُ على المدرجات حتَّى على الدم في عروقي من التعليقات،
- " شوف هذه ذات الشعر الطويل " . - " يا سلام على هالقوام الجميل " - " صلِّي عالنبي ... شو هالحلاوة " ..
وكيف لك أن تتخيل نملةً تعبر الملعب من أوله إلى آخره، هذا حال فريق حرمنا المصون في سرعته، أمَّا لاعبات قبرص المسترجلات فقد بتُّ أشكُّ من أنَّهنَّ رجال متنكرات بثياب نساءٍ، فقد كنَّ يركضْنَ
بسرعةٍ يحسدهم عليها الرجال، وتتالت الأهداف القبرصية ... وشمتُّ بها لأنَّها لم تسمع كلمتي،
ولكن تطورت الأمور بشكلٍ غير متوقعٍ ..
إذِ انبرى أحد الجماهير يسب حرمنا التي أضاعت كرةً سهلةً أمام المرمى، ولم أتمالك نفسي
فبادلته الشتائم، والتحمنا في عراكٍ شديدٍ، وما إنْ عرف الجمهور أنَّ حرمنا هي أسوأ اللاعبات
حتَّى تكالبوا عليَّ كالذئاب الجوعى على جيفةٍ هلْكَى ..
**** **** **** **** ****
في المشفى الوطني وأنا بين الأربطة دخلت عليَّ بسلامتها وتوقعْتُ أن تشكرني على حسن دفاعي
عنها ... وتفاجأْتُ بِها تقول لي :
" أيُّها الأحمق أفسدتَ سمعتي بين جماهيري العريضة " .
نظرْتُ لها عاجزاً عن الكلام لربط حنكي بالأربطة والضمادات .. سبحان الله جماهيرها العريضة !!
الجماهير التي رحمتني ولم تقتلني بسببها حين علموا أنِّي زوجها ..
وقفزتْ لذهني من جديد مقولة : " حمير قبرص " .
ولعلَّه هو جمهورها ..