كتب هاني الراهب روايتي (خضراء كالمستنقعات) و(خضراء كالحقول) وهو في حالة وعي متأزم بعد انهيار الإتحاد السوفييتي وانهيار التقدم العربي وانهيار النظام الإقليمي العربي, أحس وكأن كل شيء ينهار, وقد انعكس هذا الإحساس على أدواته الفنية وأسلوبه في الكتابة (بدأت ألعن اللغة التي استخدمتها خلال ثلاثين عاما , كانت باهرة لغة شعرية , لغة ارتيادية , لغة تقدمية...لكن الشعر والتقدم والارتياد كله انهار, فلماذا أنا محتفظ بهذه اللغة التي باتت الآن وكأنها مجرد زينة, مجرد حلية...) لذلك سعى الراهب لكتابة رواية بلغة ميتة, تحت ضغط جملة من الظروف الذاتية الداخلية والخارجية , وعكف على كتابة مجموعة من الروايات الصغيرة بعنوان (كل نساء المدينة) وعندما صدر منها (خضراء كالمستنقعات) ظن البعض أنها رواية قائمة بذاتها واستغربوا وضعها على هذه الحالة, لقد كان لديه طموح روائي أن (خضراء كالمستنقعات) ستليها خمس خضراوات تكمل الحلقة وتصدر ذات يوم في رواية واحدة.
رواية (التلال) التي نشرت عام 1989 في بيروت,رواية جديدة في بنائها الفني ورؤيتها للعمل الروائي, وهي تسقط من حساباتها الحوار وتستعيض عنه بالدلالات ,فيها جرأة غير عادية,فهي تتناول عالمين متناقضين ظاهريا عالم الأسطورة والأحلام والرغبات والهواجس المول دة من عذابات المجتمع وقحله كما يصفها الروائي حسن حميد وفي الجانب الآخر هناك عالم التاريخ الواقعي تماما والمعروف, والتلال رواية تهز الداخل الجواني عند القارئ وتحثه على التعامل معها بأكبر جدية ممكنة, إنها حفنة من التاريخ والواقع والأسطورة , غنية بإحساس كاتبها بأهمية النص الأدبي ودوره في الحياة, , ففي (التلال) عدة أزمنة متداخلة يفجر بعضها الآخر , فهناك الزمن التاريخي المشار إليه مباشرة في الرواية (الحرب العالمية الأولى والثانية, وعام 1946 ) وهناك الزمن النفسي الذي يبدو جليا في العديد من شخصيات الرواية ,وهناك الزمان الأسطوري(الذي تمثله فيضه) وهناك أيضا ما أسماه الراهب زمن اللازمان والذي يمثله الدراويش, وهي رواية تتكلم عن العرب ,عن تجربة التقدم في تاريخ الأمة العربية المعاصر, وهي لا تخص قطرا عربيا دون آخر, وكمعادل روائي فقد وضع الراهب مكانا يتكون مما هو عام ومشترك , وكذلك أسماء الشخصيات والبلدان ذات الدلالة الخاصة والمستمدة من تاريخ المنطقة , وقد رأى الراهب في روايته هذه رهان حياته الأدبية , وكان يطمح أن تكون لها أجزاء لاحقة تكملها.