مفهوم القصة القصيرة
بين آراء النقاد ورؤى المبدعين
( منقول عن مقال للدكتور : عبد العزيز السبيل بتصرّف )
************** على الرغم من أن السرد واحد من أقدم الفنون، فإن هذا لا يعني أن كل قصة يقل عدد كلماتها، يمكن أن تكون مثالاً لما عرف فيما بعد بالقصة القصيرة.
القصة القصيرة الحديثة (من ناحية مقارنة) جديدة في الأدب، بل إنها أصغر عمراً من الرواية. لقد تم تأصيلها في السنوات الأولى من القرن التاسع عشر، وبعد خمسين عاماً من ظهورها، بلغت مرحلة النضج في أعمال عدد من الكتاب من أبرزهم "موباسان" و"تشيكوف"، ثم ازدهرت بحيث وصلت إلى أكبر قدر من التعبير المكثف الذي عرفته القصة، وتمثل ذلك في أعمال عدد من الكتاب المحدثين الكبار في بداية ومنتصف القرن العشرين من أمثال "جيمس جويس" (1882 – 1941م) و"فرانز كافكا" (1888- 1923م)، و"إرنست هيمنجوي" (1898- 1961م) وغيرهم.
إن السرد هو البوابة الرئيسية التي يدلف من خلالها كاتب القصة القصيرة وكذلك الرواية، لكن هناك معالم ودروساً أساسية لا تساعد في رفع المستوى التقني للقصة والرواية فحسب، بل من دونها لا تكون قصة قصيرة إنما تصبح شيئاً آخر.
"براندر ماثيوس" أحد المنظرين الأوائل للقصة القصيرة يؤكد قبل قرن من الزمان (1901م) أن القصة القصيرة لا يمكن أن تكون جزءاً من رواية، كما أنه لا يمكن أن يتوسع فيها كي تشكل رواية. ويؤكد بشكل قاطع بأن القصة القصيرة ليست فصلاً من رواية، أو حتى حادثة أو مشهداً تم استقطاعه من قصة طويلة، لكنها في أحسن أحوالها ما تؤثر في القارئ بحيث إنه يصل إلى قناعة أنها سوف تفسد لو أنها كانت أطول من ذلك، أو لو أنها جاءت على نحو تفصيلي أكبر.
أحد القضايا المهمة التي تتعلق بفن القصة القصيرة تتمثل في النظر إليه ضمن إطار المقدار الكمي للكتابة مع إغفال كافة الجوانب الأخرى. نحن على يقين أن القصة القصيرة هي الابن الشرعي أو بشكل أدق يمكن أن تكن الشقيقة الصغرى لفن الرواية، لكن هذا لا يعني بحال من الأحوال أن القصة القصيرة رواية يقل عدد كلماتها.
القصة القصيرة لا تحتمل أن تعالج عدداً من القضايا لعدد من الشخصيات عبر أجيال مختلفة؛ لأنها لو فعلت ذلك فلن تكون سوى سرد لأحداث متتابعة، تخلو من التكثيف اللغوي والمعالجة المركزة. الروائي غالباً ما يتناول شخصيات أكثر، وربما يغطي بشكل تفصيلي فترة زمنية طويلة، ويتناول عدة جوانب من الشخصية الواحدة لكن هذا لا يحدث في القصة القصيرة.
ثمة اتفاق أن الروائي وكاتب القصة القصيرة يستخدمان نفس المادة، التي يلتقطانها غالباً من الواقع المعاش الذي يحيط بهما، لكن الاختلاف بينهما إنما يكون في اختيار الصيغة والشكل الأنسب للتعامل مع هذه الأحداث. وهنا يؤكد "الطاهر أحمد مكي" أنه لا قيمة للزمن هنا. وإذا كان (طول الرواية هو الذي يحدد قالبها، كما أن قالب القصة القصيرة يحدد طولها)، فإن في الوقت نفسه (لا يوجد مقياس للطول في القصة القصيرة إلا ذلك المقياس الذي تحدده المادة نفسها، فالروائي قادر على تحويل الثواني إلى دقائق في القراءة، واللحظة إلى تحليلات متأنية) القصة القصيرة تحوي العناصر الأساسية لتقنية الرواية لكنها تأتي بشكل مضغوط ومركز.
إذا كان القرن التاسع عشر يعتبر قرن الرواية فإن القرن العشرين دون ريب قرن القصة القصيرة، كما يؤكد ذلك الناقد المغربي "نجيب العوفي"، في كتابه (مقارنة الواقع في القصة القصيرة المغربية) ويضيف (لقد فقدت الرواية أو كادت تلك الأبهة التقليدية، وذلك الاسترسال النهري الوئيد، وفوجئت بفن جديد مشاغب وآسر، يقاسمها النفوذ ويتخطاها في السباق .
وفي محاولة لتقريب مفهوم القصة القصيرة، يرى بعض النقاد ضرورة اشتمالها على وحدة الموضوع ووحدة الغرض ووحدة الحادثة. فالرواية قد تعطي نظاماً حياً طويلاً ومعقداً، فتضم السيرة الكاملة لإنسان أو مجموعة من الناس، بل قد تضم جيلين أو ثلاثة، أما القصة القصيرة فمن المستحيل عليها أن تفعل ذلك.
وإذا كانت الشخصيات في الرواية تبدأ صغيرة ثم تكبر مع الأحداث، وتتحرك من مشهد لآخر، ومن مكان إلى مكان، كما تقول الروائية "فرجينا وولف" (1882- 1941م)، فإن الأمر يختلف بالنسبة للقصة القصيرة، فالزمن لا يتحرك إلا في إطار ضيق جداً، كما أن الشخصيات لا تتحرك كثيراً ولا يمكن لهم أن يكبروا في السن.
يشير "محمد يوسف نجم" في كتابه (القصة) إلى أن الرواية " تصور فترة كاملة من حياة خاصة أو مجموعة من الحيوات" بينما القصة القصيرة "تتناول قطاعاً أو شريحة أو موقفاً من الحياة" ولذا فإن كاتب القصة القصيرة يتجنب الخوض في تفاصيل الأحداث التي تكون في الرواية، لأنه يعتمد الإيحاء في المقام الأول. وإذا كانت الرواية تعرض لسلسلة من الأحداث الهامة، وفقاً للتدرج التاريخي أو النسق المنطقي فإن القصة القصيرة تبرز صورة واضحة المعالم لقطاع من الحياة من أجل إبراز فكرة معينة. ويضيف إلى أن الفرق الجوهري بين القصة القصيرة والرواية أن "القصّة القصيرة تبني على موجة واحدة الإيقاع، بينما تعتمد الرواية على سلسلة من الموجات الموقعة، تتوالى في مدها وجزرها، ولكنها أخيراً تنتظم في وحدة كبيرة كاملة". وهذه عبارات شعرية تؤدي نفس المعنى الذي سبق طرحه من أن القصة القصيرة تركز على حدث واحد، بلغة ورؤية مكثفة، في حين أن الرواية تقوم على سلسلة من الأحداث المتتابعة، وبالتالي يمتد الزمن إلى وقت طويل في الرواية، في حين تكون القصة القصيرة محدودة الزمن جداً.
القصة القصيرة عند نشأتها ـ مثل بقية الفنون- ظلت متأثرة بنظرية "أرسطو" في التراجيديا التي يرى أنها تمر بالمراحل الثلاث المنطقية؛ البداية والوسط والنهاية، بمعنى أن هناك عملاً كلياً متكاملاً. وهذا الأمر سرى على بقية الفنون الأدبية فيما بعد تقريباً، وحيث أن القصة القصيرة تلتصق بالفن الروائي فقد انتقل هذا المفهوم إليها.
من أهم أساسيات القصة ما عبر عنها "ماثيوس" بشكل موجز حيث قال إن القصة القصيرة لاوجود لها إذا لم يكن هناك قصة تحكى، ويؤكد الناقد "ويت بيرنيت" هذا المعنى في قوله (إني لا أعتقد أنك تستطيع كتابة قصة قصيرة جيدة دون أن يكون في داخلك قصة جيدة.. أفضّل أن يكون لديك شيء تقوله من غير تقنيات القصة، عن أن تملك التقنيات وليس لديك شيء تقوله)
إن أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى ذلك يتمثل في أن هؤلاء الكتاب المشار إليهم آنفاً غفلوا عن مسألة هامة جداً، وهي أن الحرية التي يتيحها هذا الشكل، وقد لا توجد في أي فن آخر، لا تعني بأي حال من الأحوال انفلات هذا الفن من أي قيود كتابية فنية.
ونظراً لعدم وجود تحديد واضح وصارم لمفهوم القصة القصيرة منذ البدء، فإننا رأينا بعض التحولات في صياغة القصة القصيرة قد حدثت في مرحلة مبكرة. فإذا كانت القصة القصيرة كما تسير في تسلسل منطقي تبدأ بمقدمة لحدث يتطور حتى يصل إلى النهاية ضمن حبكة قصصية تحددها قدرة المبدع، فإن تحولاً في كتابة القصة قد حدث على يد واحد من أبرز روادها وهو "تشيكوف" حيث عمل على إعادة صياغة كتابة للقصة القصيرة، فألغى مقدمة الحدث ونهايته ولم يبق سوى جزء من الحدث دون أن يقود إلى نهاية محددة، فالحبكة بمفهومها التقليدي لم تعد تتوفر في القصة القصيرة.
===========================