<STRONG><FONT color=blue>يصف السيد زكي نجيب مدير عام شركة مرفأ طرطوس، عملية حصول موظفة ادارية على اجازة امومة بشكل غير مشروع أنها عملية متفق عليها مع المدير الاداري.والطبيبة التي زودت الموظفة بتقريرين طبيين متناقضين، ويرى السيد نجيب ان العقوبات التي فرضها التقرير التفتيشي بحق المخالفين، لا تتناسب مع حجم المخالفة. ويضيف: أن حالة السيدة معروفة بين زملائها ـ فهي لا تنجب وهذا قدرها، لذلك من المفترض أن لا تلجأ الى هذا الاسلوب ولو أنها راجعتنا وقدمت لنا أعذاراً منطقية لاعطيناها إجازة حتى ولو بشكل مخالف للانظمة والقوانين.
فمن حق الاسرة ـ اي اسرة، أن يكون لديها ابناء، ومع أن هذا الموضوع يرتبط بقضاء الله وقدره بالدرجة الأولى والعلاج الطبي بالدرجة الثانية، لذلك؛ يجب عدم اللجوء الى اساليب خارجة عما يقبله العقل والدين والمنطق، وان يختصر التوق الى الانجاب الى الحصول على اجازة امومة، وهذا ما حصل..؟
ومن حق الطبيب ـ أي طبيب أن يكسب مالا يعوض له مصاريف الدراسة وان يؤمن دخلا يحقق له حياة كريمة، لكن ليس باساليب ملتوية تطعن في الصميم اخلاق المهنة ـ هذا اذا افترضنا ان المال هو الدافع للطبيبة «هـ ـ د» للمخالفة التي ارتكبتها ومنحت السيدة «ا ـ ب» تقريراً طبياً يؤكد أنها قامت بإجراء عملية ولادة لها في العيادة ـ علما أن السيدة «ا ـ ب» لا تنجب..؟
موضوعان..!
ولأن موضوعنا هذا يتحدث عن أمرين في غاية الخطورة، فإننا سوف نستعرض أولا التقرير التفتيشي الذي يحمل الرقم 22 ـ 209 ـ 10 ـ 4 خ تاريخ 13 ـ 6 ـ 2007 الخاص بنتائج التقصي والتحقيق بمنح العاملة «أ ـ ب» العاملة لدى الشركة العامة لمرفأ طرطوس اجازة امومة غير قانونية.
أما الجانب الثاني فسوف نتناول فيه وفاة ثلاثة أشخاص نتيجة الاهمال وغياب الاختصاصيين في مشفى الباسل بطرطوس.
هذان الموضوعان لم يأخذا حقيهما في الاعلام ـ وما التطرق لهما الآن إلا من اجل تنبيه الأخوة الأطباء الى ضرورة احترام قسم ابقراط، والإشارة الى أن العقوبات التي صدرت لاتتناسب نهائياً مع حجم المخالفات وتصحيح العمل في هذا الصرح الطبي ـ العلمي، وتأمين احتياجاته من الكادر الطبي اللازم والتجهيزات التي كان نقصها سبباً في حدوث بعض الوفيات، وكاد أن يتسبب في حدوث وفيات أخرى.
تقرير مزور ـ و شرعي...؟
يقول التقرير الطبي الذي أعدته الطبيبة النسائية «هـ ـ د» أن السيدة «ا ـ ب» خضعت لعملية ولادة طبيعية في عيادتها بتاريخ 30/6/2005، وبناء على ذلك تم تسجيل طفل مجهول الهوية في دائرة نفوس صافيتا ومنحت إجازة أمومة لمدة 120 يوماً، وتم تصديق التقرير من لجنة فحص الموظفين التابعة لمديرية صحة طرطوس ـ ولان حبل الكذب قصير كما يقال، ولا جريمة كاملة، المعنيون بالجهة التي تعمل بها المريضة «ادارة المرفأ» اكتشفوا ان هناك تقريراً طبياً من نفس الطبيبة تم منحه لها بتاريخ 3/7/2005 وبتوصيف مرضي ناقض حالة الولادة علما ان الفارق الزمني بين التقريرين لا يتجاوز الثلاثة ايام. لذلك اعتبرت لجنة الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش ان التقريرين لا ينطبقان على المريضة وبذلك يكونان مزورين.
المرأة لا تنجب وهذا ليس ذنبها ـ بل انه قدرها، وكما اسلفنا من حق اي اسرة ان تسعى لان يكون لديها ابناء، لكن ليس بأساليب ملتوية؟..
اذاً الطبيبة اعطت تقريرين طبيين متناقضين وغير صحيحين، وبالتأكيد هذه الخدمة ليست مجانية إذا اسقطنا صلة القرابة أو أي علاقة عائلية أخرى، وقد تكون شاركت في فبركة ايجاد الطفل الذي يؤكد تقرير التفتيش انه غير شرعي، ليصار بعدها الى تسجيل الطفل في دائرة النفوس على خانة السيدة وزوجها، وكل ذلك دون ان يلفت هذا الامر نظر المختار ودائرة النفوس..!!
والغريب أيضاً ان لا يلفت ذلك نظر اللجنة الطبية المكونة من أربعة أطباء، احدهم مدير عام الهيئة العامة لمشفى الباسل الحالي.
لن ندخل في تفاصيل العقوبات التي اقترحها التقرير لاسيما أن صفة الردع غابت عنه، وتم اختصارها بعقوبة التنبيه والحسم 1و5% لمدة ستة اشهر وهي هنا لا تتناسب وحجم هذه المخالفة ـ لاسيما أن الجميع يعملون بالدولة ـ المريضة والطبيبة واللجنة الطبية ودائرة نفوس صافيتا، لكن من حقنا أن نوجه عدة تساؤلات الى وزارة الصحة ونقابة الأطباء، أولا عن الاجراءات التي اتخذت بحق المخالفين ـ وما اذا كانتا على دراية بهذا الموضوع لاسيما اننا نعرف ان من حق نقابة الاطباء وغيرها من النقابات أن تدافع عن أعضائها في حال تعرضوا للغبن، وبذات الوقت فهي تمتلك ذات الحق لمعاقبة المخالفين اذا ما تأكدت من مخالفتهم، ونجيب نحن طالما ان جميع الأطباء الذين ساهموا بهذه الطبخة الفاسدة ما زالوا على رأس عملهم، فان الامر وما يحمله من خطورة قد لفلف تمهيداً للنسيان، فما زالت الطبيبة «هـ ـ د» تعمل في مديرية صحة طرطوس وفي عيادتها ومازال أعضاء اللجنة الطبية يعملون كموظفين، ومنهم من أصبح مديراً عاماً..؟
لن نتدخل أكثر في الوصف، ولأننا لا نريد الغوص في التفاصيل، ولا أن نلقي التهم، فقد اتصلنا بالطبيبة «هـ ـ د» للاستيضاح، فكان جوابها أنها مشغولة طيلة الأسبوع، ولا يمكنها الحديث في هذا الموضوع، لكننا اتفقنا على إعادة الاتصال مرة أخرى ولم افعل..!
وفيات بالجملة...؟
حققت الرقابة الداخلية في مديرية صحة طرطوس بوفاة ثلاثة أشخاص في مشفى الباسل بطرطوس لأسباب مازالت غامضة. ورغم قيام الرقابة الداخلية بالتحقيق في كل حالة على حدة وتخصيص تقريرا لكل منها فهذه التقارير لا تخل من رفع العتب، فكما الحالة السابقة كانت العقوبات هي التنبيه والحسم 1و5%. ففي حالة المريضة «ا ـ ب» التي دخلت المشفى بتاريخ 25/8/2007 اثر اصابتها بنوبة ربو شديدة وهي حامل بالشهر الثاني، حيث توفيت بعد ساعة من دخولها المشفى، يؤكد تقرير الرقابة الداخلية أن الوفاة حدثت بسبب اهمال بعض الأطباء المقيمين واللامبالاة لاسيما من بعض الاطباء المقيمين، ومن قبل المناوبون في قسم الاسعاف والشعبة الصدرية «إضافة أيضا الى غياب الأطباء الاختصاصيين» وهذا ما يرد في كل التقارير «ومازالت هذه الحالة قائمة» والمفارقة مثلاً معاقبة طبيبة مقيمة ـ اختصاص طب أسرة لقيامها بفحص المريضة التي أدخلت الى الشعبة الصدرية، إذ كان عليها أن تدير ظهرها للمريضة و«للناموس» الطبي.
وفي حالة المتوفى «ا ـ ش» من محافظة حماة، يشير تقرير الرقابة أن الوفاة حدثت بسبب الاستهتار وتأخر الأطباء بإسعافه وذلك بتاريخ 8/7/2007 في العاشرة صباحاً، وهذا التوقيت يفترض وجود اخصائيين، ولان شكوى المريض هي الم في الصدر ولأنه تنقل بين الاسعاف والصدرية والقلبية وإعادته مرة أخرى الى الإسعاف سيراً على الاقدام وانتظاره فترات طويلة لحين قدوم الاطباء المقيمين فقد فارق الحياة، والغريب انه وبحسب افادة أحد مرافقيه انه كان نائماً تحت المروحة ما أدى الى اصابته بتشنج في الكتف والصدر، لكن الاهمال و«التخبيص» كانا كفيلين بمفارقته الحياة.
وثالثة الاثافي في هذا الجانب هي حالة الطفل المتوفى «م ـ خ» الذي دخل المشفى لإجراء جراحة في العين بعد إصابته بجرح في القرنية، فكان التخدير هذه المرة كفيلاً بمفارقته الحياة، حيث تولت مهمة التخدير طبيبة مقيمة بعد تكليفها هاتفياً من قبل الطبيب الاخصائي المناوب بسبب غيابه.
والمفارقة ان طبيب العينية الذي أجرى الجراحة لا يعرف بالتعليمات التي تقضي بعدم إجراء أي عملية جراحية الا بوجود طبيب تخدير اخصائي وليس مقيما.. اي أن الطفل راح «فرق عملة» كما يقال، لكن العقوبات الرادعة التي قضت بنقل الطبيب المناوب وتنبيه رئيس قسم التخدير وتغييره وحسم 5% لمدة ستة اشهر بحق الطبيبة المقيمة ـ كل ذلك كان كفيلاً بإنصاف اهل المتوفى وتصويب العمل في أقسام المشفى..؟
هذه الحالات نتركها بيد المعنيين عسى أن يصار الى اجراء تحقيقات تنصف الجميع لاسيما المؤسسة الطبية ـ العلمية التي قدمت الكثير وأنقذت حياة آلاف المواطنين، وإعادة الثقة إليها، ليطمئن المراجعين وأهالي المرضى ان عصر الاهمال والتسيب في مشفى الباسل في طرطوس قد ولى الى غير رجعة..؟
ماذا تقول الصحة؟
الدكتور خير الدين السيد مدير صحة طرطوس علق على ذلك بالقول: إن الوزارة تبنت التحقيق في موضوع الوفيات ونحن ننتظر النتائج. وعندما سألناه عن النتائج التي توصلت اليها مديرية الرقابة الداخلية في مديرية الصحة قال: أصبح الموضوع في عهدة الرقابة الداخلية في وزارة الصحة وهذا يعني ان لاقيمة لتحقيقات رقابة المديرية. وعن موضوع الطبيبة «هـ ـ د» قال مدير الصحة: لقد نفذنا الجانب المتعلق بنا في تقرير الهيئة، فقمنا بنقل الطبيبة خارج مشفى التوليد «الوطني سابقا»، وعن تناسب العقوبات مع حجم المخالفات التي تناولتها تقارير الهيئة والرقابة الداخلية قال: بالتأكيد لا تتناسب معها لكننا ملتزمون بنتائج التقارير ويدلل د. السيد على رأيه، انه في رابع يوم عيد الفطر المبارك قام بجولة إلى مشفى بانياس فلم يجد طبيب الأشعة المناوب، فقام على الفور بفك عقده، لذلك ـ يضيف يجب أن تكون الاجراءات والعقوبات أقسى من ذلك بكثير مهما كانت الأسباب الكامنة وراء الوفيات او المخالفات.
وعن مقولة أن نقص الاخصائيين هو سبب المشكلات التي حدثت قال: لا يوجد في مشفي الباسل نقصاً بالأطباء الاخصائيين، بل على العكس هناك فائض، لانه عالمياً هناك طبيب اخصائي لكل عشرة أسر، فمثلاً في الشعبة العظمية هناك 36 سريراً وفيها 16 طبيباً أخصائياً وفي قسم الاسعاف هناك 12 طبيباً اختصاص طوارئ وهذا غير متوفر في أي مشفى آخر.. وعن عدم وجودهم يجيب: ان الأمر يحتاج الى تنظيم وهو مسؤولية الادارة، فلا يوجد التزام ولا تنظيم لوجود الأخصائيين ولهذا فان اقرار نظام تفرغ الأطباء بات ضروريا، لان التعليمات تقضي بعدم أجراء اي عملية جراحية دون وجود الطبيب الاخصائى، وهنا فإن كل الملامة تقع على عاتق مدير المؤسسة، حيث يوجد في المحافظة حوالي 1500 طبيب اخصائي، إذاً هناك خيارات كبيرة..؟ وهنا يؤكد د. السيد: لا يجوز أن يكون مدير الصحة ومديرو المشافي غير متفرغين وذلك لايلاء المؤسسات التي يقومون عليها كل الاهتمام لا لمشاغلهم الخاصة..؟
باتت ملحة..؟
قضية السيد «ا ـ ب» تطرح من جديد قضية في غاية الاهمية، وهي مسألة إصدار قانون للتبني، وذلك لتلافي مثل هذه الحالات ودرء خطر الوقوع في مخالفات لاتحمد عقباها، لانها بالتأكيد تشوه صورة المخالفين بغض النظر عن المكانة الاجتماعية أو العلمية لهم، اضافة الى ان هكذا قانون يقي الكثير من الأولاد مجهولي الاهل من خطر التشرد وتخفف الضغط عن دور الرعاية وما يسببه هذا الضغط من إهمال ونفقات تتكبدها الدولة من خلال رعايتهم كأطفال أو تأهيلهم عندما يصبحون بالغين.
أما ما يخص الوفيات التي حدثت بسبب الاهمال وغياب الاخصائيين، فقد بات من اللازم إصدار قانون تفرغ الأطباء ليتسنى لإدارات المشافي الزامهم بالعمل بورديات على مدار الـ24 ساعة، وان تعذر ذلك فان على ادارات الهيئات العامة للمشافي البحث عن أطباء متعاونين يكونوا جاهزين دائماً للوصول إلى المشافي في الحالات الطارئة وان لا يكتفوا بأطباء «التنفيعة».
الى ابقراط..!
من حق ابقراط ان يعتذر ويعتزل، فالقسم الذي «ابتدعه» اصبح غير ذي جدوى وهو لا يصلح لأكثر أن يوضع في برواظ يعلق على جدران كليات الطب فقط لتذكير الطلبة بأن هذا الرجل مرمن هنا..؟
أن يعتذر لأنه لم يقدم انجازه الأخلاقي لهذا الزمان ـ ان يعتزل مهنته لان اشخاصاً كثر اندسوا في صفوف المهنة، لتتحول الى تجارة.. لكنها غير شريفة ولا شرعية..؟