الرقص على حافّة الهاوية !
كان أعيان القرية قد اجتمعوا مع زوجاتهم في غرفة كبيرة في بيت الطفل المعمّد. المطر والبرق يتسرّبان من النوافذ وعبر شقوق الباب.
وكان الهواء مشبعا بروائح البرتقال والتراب. وكانت الهدايا والخمر والراكي والميتريد تدخل وتخرج.
وبدأ الظلام يحلّ فأشعلت الأضواء وتزايد مرح الرجال وتخلصت النساء من نظراتهن المنخفضة التي تعوّدن عليها. كان الله لا يزال يزأر خارج المنزل. وتعالى الرعد وتحوّلت أزقة القرية الضيقة إلى أنهار.
استمر الطوفان طوال اليوم. هبط علينا الليل وصار العالم في الخارج مظلما وامتزجت السماء بالأرض. وتحوّلنا إلى وحل.
كان الشباب والكبار يتهيئون للرقص وجلس عازف الربابة على مقعد وسط الغرفة وأمسك بقوسه وكأنه سيف. ثم همهم بمقطع من تحت شاربيه وبدأ يعزف.
راحت الأقدام توقع والأجساد تصفق بأجنحتها. وراح الرجال والنساء يتبادلون النظرات ويقفزون على أقدامهم.
وكان أوّل من تقدّم امرأة ش**** ممشوقة في الأربعين من عمرها. شفتاها برتقاليتان لأنها فركتهما بأوراق الجوز. وكان شعرها الأسود مزيّتا بزيت الغار ومصقولا ولامعا.
"برافو يا سورميلينا"! هتف عجوز قويّ ذو لحية صغيرة. وأزاح منديله الأسود وهو يقفز أمامها. وقدّم احد طرفيه للمرأة وأبقى الآخر في يده.
ثم سلم الاثنان نفسيهما للرقص ورأساهما شامخان وجسداهما منتصبان وممشوقان كشمعتين.
كانت المرأة تلبس في قدميها قبقابا خشبيا. وراحت تضربه على الأرض بقوّة فيهتزّ البيت كله معها.
وانحلّ خمارها الأبيض فكشف عن القطع الذهبية التي تزيّن عنقها. وتوسّع منخراها وراحا يستنشقان الهواء. وكانت أنفاس الذكور من حولها عبقة.
لوت ركبتيها وراحت تدور فأوشكت على السقوط على الرجل الذي أمامها. ولكنها بغتة وبهزّة من ردفيها تلاشت من أمامه.
وراح هاوي الرقص العجوز يصهل كالحصان. امسك بها من وسطها وشدّها بقوّة لكنها أفلتت منه. كانا يلعبان ويطارد كل منهما الآخر. غاب الرعد والمطر. وغرق العالم.
ولم يبق فوق الهوّة إلا هذه المرأة، سورميلينا، التي كانت ترقص. ولما لم يعد عازف الربابة قادرا على البقاء فوق مقعده قفز على قدميه. وتوحّش القوس. ولم يعد تحت السيطرة.
بل راح يتابع قدمي سورميلينا وهو يتنهّد ويجأر ككائن بشري.
وتوحّش وجه العجوز ورمق المرأة وهو محمرّ. وارتعشت شفتاه وشعرتُ انه على وشك أن ينقضّ عليها ويمزّقها إربا.
ولا شك أن عازف الربابة قد تملكه الشعور ذاته فتوقف قوسه بشكل مفاجئ. وتوقّف الرقص. وقف الراقصان دون حراك والعرق يتصبّب منهما.
وركض الرجال إلى الراقص العجوز وانتحوا به جانبا. وراحوا يدلكونه بالراكي. وأحاطت النسوة بسورميلينا ليمنعن الرجال من رؤيتها.
وشققت طريقي بينهن. لم أكن رجلا بعد. ولذا لم يمنعنني. فتحن ِصدارها ورششن ماء الورد البرتقالي على رقبتها وتحت إبطيها وصدغيها.
وكانت المرأة تغمض عينيها وهي تبتسم.