متعة القيادة غذاؤها الروحي الوحيد..زينب أومري السورية الوحيدة التي تقود باصاً لنقل الركاب
لا تكابد زينب أومري ذات ال" 55" عاماً من مناكدات الوحدة تلك التي نمت إلى جانب سنوات عزوبتها الطويلة. وحيدة تعيش الآن في منزل عربي تملكه في الحارة الجديدة على مقربة من ساحة شمدين. قبل ذلك لازمت زينب والديها باعتبارها الابنة الوحيدة، وبعد وفاتهما منذ 20 عاماً باعت القبو الذي سكنته عائلتها الصغيرة في ساحة الشهبندر واشترت منزلها الحالي.
مضت سنواتها هكذا وحيدة فيها وعازبة ولا تزال زينب تستيقظ في الخامسة صباحاً وتحرص أن تصلي الفجر كل يوم، ثم تنصرف لتناول فطور خفيف لا يتعدى كوب حليب وغالباً ما تغادر بيتها في السابعة صباحاً لتجلس خلف مقود باصها الذي لا تنعتق من ورائه قبل الحادية عشر ليلاً.
تعب يومها الطويل يجعل من نومها استرخاء طويلاً وعذباً قلماً يفزعه كابوس أو حلم مقلق...
" لا تأتيني الكوابيس في الليل..مثلي ينتظر دوماً شمس يوم جديد.. وأحرص ألا أنام في النهار.. فقط يكفيني ساعات نومي الليلي".
تنام زينب وتصحو وذات الحلم يسكنها أو تسكنه... حلم بسيط ودافئ لا ينشق عن تفاصيل حياتها وكأنها تعلم إن لم يكن حلمها يشبهها فهو هذر لا طائل منه."كل ما أحلم به أن يكون لي باص حديث(ملكي) يعمل على المازوت وسعته 25 راكبا. أريده أن يعمل على خط بيروت دمشق وهو الخط الذي أقود عليه في الوقت الحالي.
القيادة كانت هاجساً استطاع أن يصيب زينب في صباها، ثم نال منها كلياً حين تركت عملها في قسم الأشعة في مستشفى المجتهد وتفرغت لقيادة الباصات بشكل نهائي.
تلك هي كيماء إنسانية بسيطة إن تناولناها بسياقها العام كما فهمتها زينب " تركت عملها في الدولة ليقودها حلمها على تفاعل يبلغ حالته النهائية خارج الزمن"سنفهم كيف يمكن لروح إنسانية أن تكون مفتوحة على المطلق وأخرى منكمشة إلى حد اللاتصديق" القيادة توأم روح زينب أكثر من العمل الوظيفي".
تسرد زينب افتتانها بالقيادة" لم أكن أجلس إلا قرب السائق هكذا بدأت تعلم القيادة. كنت أراقب كل حركة يقوم بها وأسأل دوما.. أتذكر أول سيارة قدتها كانت أيام عملي في المجتهد وبعد ذلك تفرغت كليا لقيادة الباصات وهذا كل ما أرغبه في حياتي.
نقلت زينب الركاب وعملت على خطوط عديدة داخل دمشق وخارجها "اللاذقية تحديداً" هنا اشتغل باصها طويلاً على خطوط ركن الدين والدوار الشمالي وأحياناً كانت تنقل الركاب بين الحميدية وكراج السيدة زينب "أحب كثيراً الإيرانيين وارتاح جداً في التعامل معهم –لا تدري لماذا- وهذا الخط – الحميدية السيدة زينب هو أكثر خط أحب العمل عليه.
قبل أن تعمل كسائقة عمومية في دمشق أمضت نحو سنة في اللاذقية كانت حينها تنقل الركاب بين رأس ابن هاني والشيخ ضاهر. وتقول" أتذكر حينها أن ضابطاً في مرور اللاذقية رحب بي كثيراً حتى أنه أرسل معي شرطي مرور على دارجة نارية كتوصية منه إلى سائقي ذلك الخط".
الآن تعمل زينب على باص تابع لشركة 2000 للنقل على خط دمشق بيروت...مع الزمن اعتاد عليها الركاب وحتى رجال الأمن العام والجمارك السورية واللبنانية على السواء.
"في البداية كانوا يستهجنون ويعاملوني بنوع من الخصوصية كوني المرأة الوحيدة التي أقود حافلة على ذلك الخط لكنهم اعتادوا علي مع الزمن ثم أني لاأشعر أبداً بأني اختلف عن أي سائق رجل".
ذاك زمن قديم حين كانت زينب لا تلاحظ سوى ابتسامات شرطة المرور وبعض الاستهجان وأحياناً الخوف على وجوه ركابها... الآن انحسرت الدهشة من سائقة الباص الوحيدة في سورية ليحل مكانها (هذا تطلب الكثير من الزمن) حالة أكثر تماسكاً من الدهشة نفسها أي ذاك الاعتراف الصعب الذي استطاعت أن تنتزعه (أيضاً هذا تطلب منها إصراراً طويلاً) من العيون أولاً ثم من السلوك المحيط بها لاحقاً.قلما الآن ينظر إليها كامرأة بل هي سائقة.
وليس من أجل المال تعمل زينب، متعة القيادة هي غذاؤها الروحي الوحيد وإن عملت بشكل جيد قد تجني في اليوم الواحد 2000 ليرة وإن لم تعمل فدخلها يساوي الصفر بطبيعة الحال.
زينب لها سجل نظيف في القيادة ولا حتى حوادث وعلى طريق دمشق بيروت تقود بحدود 80 كلم كسرعة قصوى لا تتجاوزها وتستطيع أن تعد الآن أنواع السيارات التي قادتها في حياتها من الفورد على اليسمكا ثم بيجو 403 وكولت وبيك آب 404 وشوفرليه كذلك العديد من الباصات.
عاشت زينب في الظل، لم ينتبه إليها الاعلام السور أبداً ولا تذكر سوى أن إحدى القنوات الفضائية العربية أجرت معها لقاء سريعاً منذ سنوات وكانت تود لو استضافها برنامج " ابن البلد" تستطيع أن تسخر" ربما لأني امرأة والبرنامج معد فقط..لذكور البلد"
حلم زينب الوحيد هو أن تستيقظ في الصباح لتجد أنها تمتلك باصاً حديثاً يعمل على المازوت ويسع 25 راكباً تركه أحدهم لها هدية.
منقول شام برس